استعلاء أرادوها.. فانقلبت عليهم موازينُها

سُلطان بن خلفان اليحيائي

رجل واحد.. ورواية تتماسك

لم يكن ما جرى على قناة الجزيرة مجرّد نقاش عابر، بل اختبار لوزن الحُجّة. جلس الدكتور حسن أحمد يان وحيدًا أمام سبعة، لكن الكثرة لم تصنع لهم ثِقَلًا، كما أنّ وحدته لم تُضعف منطقه. قدّم رواية متماسكة في مواجهة روايات متناقضة، يرفعون الصوت فيردّ بالمنطق، ويهاجمون فيُعيد ترتيب المشهد بهدوء. لم يستعرض، بل فكّك، ولم يدافع فقط، بل كشف الخلل في أصل الحكاية. هنا يُقاس الفهم.. لا الصراخ.

عندما يُهزم العقل.. يبدأ الصراخ

ليست كل الحروب تُحسم بالصواريخ، بل لمّا يختلّ ميزان الفهم، يتحوّل الاستعراض العسكري إلى ستار لهزيمة تتشكّل بصمت. هذا ما بدا في مشهد تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، عقل قديم يظنّ أن التهديد يكفي، فيصطدم بخصم لم يعد يقرأ الخوف كما كان، خصم تعلّم من الحصار أكثر مما تعلّم خصومه من الوفرة.

وهم الخطة.. وصلابة الواقع

رُسمت الخطة: ضغط، إضعاف، ثم قطع للرأس. لكن إيران لم تخرج من الحصار كما دخلته؛ تحوّل الضغط إلى صبر، والعقوبات إلى خبرة، والعزلة إلى قدرة. المفارقة أنّ ما أُريد به خنق الخصم صار سببًا في صلابته. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: 43).

رواية تتهاوى

مرّة “ردع”، وأخرى “تغيير سلوك”، ثم “حماية الحلفاء”. تصريحات تتصادم، ووعود تُلغي ما قبلها. هنا تبدأ الهزيمة: لمّا تضيع الغاية، وتفقد اللغة معناها.

سوء قراءة الخصم

لم يكن الخلل في القوة، بل في الفهم. من ظنّ أن الضغط سيُسقط خصمًا اعتاد الصمود، قرأ التاريخ بسطحية، توقّعوا تراجعًا فإذا بالمناورة تتّسع. وهنا ينقلب الضغط إلى دليل فشل.

مغامرة بلا أفق

أي مواجهة بلا هدف واضح تتحوّل إلى مغامرة؛ لا إجماع، ولا غطاء قانوني، ولا نهاية مرسومة. اندفاع بذاكرة قديمة في عالم تغيّر، فتتصدّع الهيبة، لا لغياب القوة، بل لسوء استخدامها.

من الطاولة إلى الميدان

ما قيل في الاستوديو يتكرّر على الأرض؛ هناك من يرفع صوته، وهناك من يملك رواية. حتى استهداف المدنيين لم يكسر المعادلة، بل كشف هشاشتها الأخلاقية قبل العسكرية.

قالها الدكتور حسن أحمد يان مختصرًا المشهد: "لفت نظري إن جاري يعطي أرضه لعدوّي ليقتل 170 من أبنائي داخل مدرسة في جنوب إيران".

هذه الجملة ليست طرحاً عابرًا، بل تلخيص فجّ لخلل بنيوي؛ لمّا تتحوّل الجغرافيا إلى أداة، والسيادة إلى خدمة، والقرار إلى امتداد لإرادة خارجية. لم يكن الرجل يدافع بقدر ما كان يكشف كيف يُعاد تعريف العدو والصديق، وكيف يُدار الصراع من داخلنا لا من خارجنا، وكيف يُستبدل المنطق بالصراخ لمّا تعجز الحُجّة.

لم يبقَ الأمر صواريخ، بل خريطة خذلان؛ أرض تُفتح ودم يُترك، وصمت أنظمة تراهن على حماية لم تثبت يومًا أنها بلا ثمن.

أين العرب من طاولة المفاوضات؟

يغيب العرب عن الطاولة، ويحضرون في الميدان كأرض تُستباح. عادوا القريب، واصطفّوا مع الغريب، لا بالصمت فقط بل بالفعل؛ قواعد تُفتح، وأجواء تُسلَّم، وضربات تُدار من داخل الجغرافيا نفسها.

أكثر من 14 قاعدة أُخرجت من الخدمة، لم تكن لتحمي أوطانها، بل لتخدم معركة لا تملك قرارها. وهنا لا يكون السؤال عن القواعد، بل عن السيادة نفسها؛ هل تبقى حين تُدار الحروب من الخارج؟ وهل ستُعاد ترميمها لتؤدي الدور ذاته تحت وهم جديد، أم أنّ العقول ستفطن للحقيقة فتُعيد النظر وتختار مسارًا مختلفًا للمستقبل.

من يظنّ أنه بمنأى، لم يفهم سنن الصراع؛ النار التي تُستجلب لا تُفرّق. لكن الأخطر استمرار تزييف الوعي رغم انكشافه. هنا لا يعود العمى عجزًا، بل اختيارًا؛ ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف: 57)

وفي خضم هذا المشهد، لا يكفي أن نسأل ماذا يحدث، بل أين نقف نحن؟

سلطنة عُمان، بما تملكه من اتزان وعلاقة محسوبة مع إيران، ليست في موقع المتفرّج. العلاقة التي تُختزل في التجارة تبقى هامشية، أمّا لمّا تمتد إلى المعرفة والإنتاج فإنها تتحوّل إلى قوة.

المطلوب تعميق الشراكة في البحث، ونقل المعرفة، وبناء صناعات تبدأ بالغذاء وتمتد إلى الطاقة والصناعات المتقدمة. هذا ليس خيارًا، بل شرط بقاء في عالم يُعاد تشكيله؛ من لا يملك أدواته، يبقى ورقة في يد غيره.

إنَّ الدول التي ربطت أمنها بالاتفاقيات الأمريكية بدأت تكتشف أن ما سُمّي ضمانة لم يكن إلا ترتيب مصالح، وأن القواعد التي قيل إنها للحماية كانت جزءًا من معادلة تُدار بوجهة واحدة. انكشفت الوجوه، وسقطت الأقنعة، وتبيّن أن الاعتماد على الخارج لا يصنع أمنًا، بل يؤجّل لحظة الانكشاف.

الحقيقة لم يبقَ منها خفاء، بل بقي تجاهل متعمّد، والوقائع لم تبقَ لها حاجة إلى تفسير، بل إلى شجاعة اعتراف. فمن لم يتعلّم من هذا المشهد فلن يتعلّم من غيره، ومن لم يقرأ التحوّلات بعين مفتوحة سيُعاد تدويره داخلها.

فهل تكفي هذه الوقائع ليُبصر من أراد أن يُبصر؟ أم أنّ بعض العقول آثرت العمى كي لا ترى؟

الأكثر قراءة

z