د. عبدالله الأشعل **
في تقديري أن الصراع العسكري بين إيران من ناحية، وأمريكا وإسرائيل من ناحية أخرى، لن يُحسم بالتفاوض؛ فالمفاوضات الحالية في باكستان عبارة عن استراحة محارب، فكلا الطرفين عازم على اقتلاع الآخر. مثلًا، إيران تريد أن تزيل إسرائيل، وتعتقد أن المنطقة تعاني من السرطان الصهيوني، وما دام العرب عجزوا عن مواجهة إسرائيل، فإن إيران تحقق المعجزة، ولكل ثمنه.
أما أمريكا، في نظر إيران، فهي كما قال الخميني، قائد الثورة الإسلامية في إيران: "الشيطان الأكبر الذي يغذي كل شرايين الشر في العالم".
والغريب أنه يوم قيام الثورة الإسلامية في إيران في فبراير 1979، كانت مصر الأهم في المنطقة، وكانت قد دخلت في اتفاق السلام مع إسرائيل برعاية أمريكية في 26 مارس 1979. وبينما كانت إيران تتجه إلى الحرية، دخلت مصر الحظيرة الأمريكية في نفس اللحظة، ولذلك كان الرئيس الراحل أنور السادات هو الذي رحب بشاه إيران المخلوع، واستقبله في القاهرة، بعد أن ضنت عليه أمريكا بالعلاج، ومات بعد أسبوع واحد، ودُفن بالقاهرة إلى جوار والده.
وإذا كانت الثورة الإسلامية في إيران قد قطعت العلاقات مع مصر أملًا في الضغط على مصر لكي تحل ما انعقد بينها وبين أمريكا وإسرائيل، كانت تلك الخطوة بالغة السذاجة؛ لأن خط أنور السادات تجاه أمريكا وإسرائيل كان خطًا استراتيجيًا.
نعود لأسباب العداوة بين الثورة الإسلامية وبين أمريكا وإسرائيل. خلعُ الشاه، وما يمثله من تبعية للولايات المتحدة، ظهر للحرس الثوري الإيراني على أنه تحرير لإيران من ربقة الصهيونية والاستعمار، وبادرت السلطات الإيرانية إلى اعتقال الدبلوماسيين الأمريكان في طهران على أساس أنهم معادون لإيران، ولجأت أمريكا إلى كل السبل لإطلاق سراحهم؛ فلجأت إلى محكمة العدل الدولية، ولجأت إلى الوسطاء، ثم لجأت إلى العمل العسكري المباشر لتحرير رهائنها في طهران، ولكن كل ذلك باء بالفشل. ولم يتحرر الرهائن إلا باتفاق أُبرم في الجزائر عام 1981، مقابل الإفراج عن الأرصدة المجمدة الإيرانية لدى أمريكا. ومنذ ذلك الوقت، فقدت أمريكا صوابها وهيبتها في المنطقة، وحاولت استعداء دول الخليج على إيران، وفرضت عقوبات صارمة على إيران، فكانت إيران تشعر بالغضب، ولكن ركزت على تنمية قطاعاتها في الداخل، فأنتجت غذاءها وسلاحها ودواءها في ظروف قاسية، فضمنت استقلال القرار الداخلي والخارجي.
ولما أُضيرت أمريكا استراتيجيًا، قدّرت أن الثورة الإسلامية لا بد أن تُمحى، فلم تقنع بأقل من محو الثورة الإسلامية في إيران، وأمريكا لن تتوقف عن جهود تغيير النظام، وليس تغيير السياسات. وإيران هي الرقم الصعب لأمريكا وإسرائيل في المنطقة، وهي الدولة الوحيدة المستقلة في المنطقة إذا قورنت بالدول العربية وتركيا، ولذلك لن تتوقف ضغوط أمريكا ضدها ومؤامراتها عليها.
وفكر الرئيس أوباما تفكيرًا عمليًا، وهو إبرام اتفاق مع إيران تتعهد فيه بإخضاع منشآتها النووية للتفتيش من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتم ذلك باتفاق فيينا في مايو 2015، وكان يفخر أوباما بأن هذا الاتفاق أهم إنجاز حققته إدارته في ثماني سنوات، ولكن الاتفاق أغضب إسرائيل، ورغم أن إسرائيل نووية منذ سنوات، إلا أنها، بإيعاز من أمريكا، تتأكد من أن إيران لن تصبح دولة نووية، وعزّ عليها أن تستخدم إيران الطاقة النووية في الأغراض السلمية.
ولما جاء ترامب، نذر نفسه لخدمة إسرائيل وتأمينها من المقاومة ومن السلاح النووي، فظهر السلاح الصاروخي، ولذلك أمريكا مصرة على تجريد إيران من كافة الأسلحة النووية والصاروخية والصناعات الحربية، وتعلم أمريكا أن أذرع المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن تدعمها إيران، وإيران تصر على وحدة ساحات المقاومة.
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن إيران أقسمت أن تزيلها من الوجود، وبالفعل ركزت ضرباتها عليها؛ فأمريكا وإسرائيل تريدان أن تُبيدا إيران، وإيران تريد أن تزيل إسرائيل وتطرد الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج. والثقة معدومة بين الأطراف الثلاثة، وتشعر إسرائيل بالفزع من الاتفاق الإيراني الأمريكي المحتمل، بل والمفاوضات العبثية، وتركز على فصل لبنان عن الاتفاق المحتمل.
ورغم أن أمريكا مقتنعة بأن لبنان جزء من الاتفاق، وتعلم أن إسرائيل تريد من لبنان الآتي:
- القضاء على حزب الله، وليس فقط نزع سلاحه، وتحويله من أداة عسكرية مقاومة إلى حزب سياسي.
- إشعال الحرب الأهلية في لبنان بسبل مختلفة، وتعتقد إسرائيل أن الحرب الأهلية يمكن أن تقضي على حزب الله.
- تعلم إسرائيل جيدًا أنه لا توجد دولة لبنانية في لبنان، وإنما عدد من الطوائف، وقد حاول مؤتمر الطائف عام 1989 أن يحلم بدولة لبنانية بدل الطوائف، ولكن لم يجرؤ الساسة اللبنانيون في الطائف على تصور برنامج لتحقيق هذه النقلة.
- تصر إسرائيل على أن الجيش اللبناني لا بد أن يهاجم حزب الله وينزع سلاحه، وهذه الوصفة الأقرب إلى الحرب الأهلية.
وإذا كانت إيران تريد أن تُبيد إسرائيل، وأمريكا تريد أن تؤمن إسرائيل الكبرى، فنأمل ألا تتجه إيران إلى اقتسام المنطقة مع إسرائيل وأمريكا، وتتخلى عن أهدافها المعلنة، وفي هذه الحالة سوف تدخل إيران بيت الطاعة الأمريكي. ولذلك نعتقد أن الصراع يتجه إلى أن يُحسم عسكريًا؛ فالأقوى والأكثر صمودًا هو الذي يقول الكلمة الأخيرة: إما شرق أوسط بلا إسرائيل، أو شرق أوسط بلا إيران، وحيثيات كليهما موجودة. ولكن، نظرًا لأن وزير الحرب الأمريكي اعترف بأن الحرب ضد إيران هي حرب صليبية هدفها الكيد للإسلام، فإن الله سينصر إيران على أمريكا وإسرائيل. وفي هذه الحالة، سوف نستشرف في مقال لاحق مستقبل المنطقة مع انتصار إيران، ورحيل القوات الأمريكية، وزوال إسرائيل.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
