صراع النظرية والتطبيق في صناعة الأجيال (5 - 7)

 

 

د. عبدالله بن سليمان المفرجي

نقف اليوم على أعتاب ثورة معرفية غير مسبوقة، بكل معاناتها وتجلياتها؛ فالألم فيها كجمرٍ تحت الرماد المنثور، يختبئ في جوف المتعلم الباحث عن الحقيقة والنجاح، يحمّص قلبه ويصقل روحه وفكره، قبل أن تشرق شمس الإدراك على وجدانه وضميره.

والفهم بعدها كثمار اليقطين اللذيذ الممتع في فصل الخريف، صلبٌ في البداية، يحتاج إلى عناء في تقطيعه وطهيه، لكنه يحلو حلاوته بعد طول انتظار، كرحلة المتعلم مع المادة العلمية: كل خطوة متعبة، وكل لحظة صبر تُثمر معرفة مغدقة. فتتفتح فيه أبواب الحكمة كما تتفتح أهداب الفجر على بحار المعرفة، ويصير الصبر عودًا ينسج من خيوطه جسرًا يمر عليه الطالب إلى ساحات الإدراك الكامل ما وراء المعرفة، متجاوزًا حدود الحفظ والتلقين إلى ساحات الإدراك الكامل، حيث تمتد المعرفة إلى ما وراء المعلوم، فتصبح الخبرة والفهم روحًا تتنفسها نفسه، ويصبح التعلم رحلة اكتشاف لا نهاية لها؛ فالذكاء الاصطناعي أضحى يقتحم كل المجالات، والميتافيرس يخلق عوالم افتراضية موازية ثلاثية الأبعاد، والتقنيات الرقمية تعيد تشكيل مفهوم المعرفة والتعلم ذاته.

فكيف نُعِدُّ معلمي الغد لهذا المستقبل المجهول المتطور؟ وكيف نوازن بين ثوابت التربية ومتغيرات العصر وتقلباته؟ وكيف نجعل من كليات التربية منارات تستشرف الآتي، بدل أن تظل أسيرة الماضي وصفحاته؟

إنها أسئلة المصير التي تحتم علينا الخروج من دائرة الإصلاح التقليدي إلى فضاء الابتكار والإبداع والتطوير المستمر. وقد قال الفيلسوف الفرنسي إدغار موران: "علينا أن نُعِدُّ العقول لمواجهة تعقيدات العالم، لا أن نملأها بمعلومات مبسطة عن عالم ولى (Morin, 1999/2022, p. 34)".

واستشراف المستقبل يقتضي منا أولًا أن نعيد تعريف دور المعلم في القرن 21 في عصر الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، التي قد تفتح آفاقًا واسعة أمام المتعلمين والمعلمين على حد سواء، حين تتحول المعلومات إلى تجارب غامرة، والمهارات إلى ممارسات ذكية، ما يعزز القدرة على الابتكار وحل المشكلات؛ فلم يعد المعلم مجرد ناقل للمعرفة، إذ أضحت المعلومات متاحة للجميع بنقرة زر، في ثوانٍ معدودة، ولم يعد دوره مقتصرًا على التلقين والحفظ الأصم؛ فالآلات تستطيع ذلك بكفاءة أعلى وسرعة فائقة، بل أصبح دوره الأساسي هو إعادة تشكيل العقول الناقدة، وصقل المواهب الإبداعية المبتكرة، وغرس القيم الإنسانية النبيلة، وتعزيز الذكاء العاطفي والاجتماعي، وهي المهارات التي تظل عصية على الآلات أن تغرسها وتعمقها في الأجيال الفتية.

ومن هنا، يجب أن تركز برامج إعداد المعلمين على تنمية تلك المهارات النوعية الناعمة، وأن تزود الطلاب المعلمين بأدوات التعامل مع التكنولوجيا الحديثة الواعدة كحليف، وليس كعدو أو بديل. وقد تنبأ الخوارزمي منذ قرون: "الجهل بالرياضيات يفقدك نصف الحكمة" (الخوارزمي، 820/2021، ص 34)، ونحن اليوم نقول ونردد بأعلى صوت مع تطور العصر: لن تكتمل حكمة القرون إلا بشراكة الذكاء الاصطناعي. أما التربية فهي الوتد الذي يشد خيمة الحضارة.

وعلى صعيد توظيف الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في التعليم، تبرز تجارب عالمية رائدة يمكن الاستفادة منها وتوظيفها في الحقول التربوية. فمنصة"MATHia"  التابعة لشركة النشر "كارنيجي ليرنينغ" توفر بيئة تعليمية رقمية تفاعلية وتكيفية (adaptive learning) مصممة للرياضيات للمرحلتين المتوسطة والثانوية (Grades 6–12)، تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوفير دعم تعليمي فردي لكل طالب يشبه مدربًا شخصيًا لكل طالب على حدة، وتُعد أكثر تفصيلًا من معظم برامج الرياضيات التعليمية الأخرى. كما تقوم بتحليل كيفية تفكير الطلاب في كل سؤال، وتساعد المعلمين على تحديد ما إذا كان الطلاب يواجهون صعوبات ويحتاجون إلى تدخل فوري. كما تقدم شركة "سكيوريل إيه آي" نظامًا تعليميًا يخدم أكثر من 24 مليون طالب حول العالم، ويجمع المناهج التي وضعها المعلمون مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مما يمكنه من تدريس الطلاب وفقًا لاستعداداتهم وسرعاتهم التعلمية.

وقد أظهر استطلاع أجرته "فوربس أدفيزورز" أن 60% من المعلمين في الولايات المتحدة يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل في الفصول الدراسية لأداء مهام روتينية، مثل تصحيح الاختبارات وتتبع أنماط تطور الطلاب. هذه التجارب تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون حليفًا قويًا للمعلم إذا ما أُحسن توظيفه.

غير أن هذا الانغماس في العوالم الرقمية قد يثير إشكالات كبرى تتعلق بالأمن السيبراني النفسي والاجتماعي، وهي إشكالات بارزة للعيان لم تعد ترفًا فكريًا أو رفاهية نظرية، بل صارت ضرورة ملحة تفرض نفسها على كل من يعمل في حقل التعليم ومناجم التربية. فالمعلم اليوم لم يعد ملقنًا للمعلومات فحسب، بل أصبح مسؤولًا عن حماية طلابه من مخاطر العالم الرقمي، وعن توعيتهم بسبل الاستخدام النافع والآمن للتكنولوجيا، وعن تعزيز مناعتهم النفسية ضد موجات التضليل والإشاعات وخطاب الكراهية التي تموج بها الفضاءات الإلكترونية.

وهذا يستدعي أن تتضمن برامج إعداد المعلمين مقررات إجبارية في الأمن السيبراني النفسي، تمكنهم من فهم عميق ودقيق لآليات التأثير النفسي في الفضاء الرقمي، وسبل حماية الذات والآخرين من الاختراق النفسي والتلاعب العاطفي، وكيفية بناء مناعة رقمية هادفة لدى الطلاب تجعلهم أقل عرضة للاستقطاب والتضليل والابتزاز الإلكتروني. وقد أكدت اليونسكو أن "التفكير النقدي هو المهارة الأساسية في العصر الرقمي (UNESCO, 2023, p. 67)".

كما أن الأمن السيبراني الاجتماعي يفرض نفسه بقوة في عصر تتشكل فيه الهويات والانتماءات عبر المنصات الرقمية المتطورة، وتنشأ فيه مجتمعات افتراضية قد تكون أكثر تأثيرًا من المجتمعات الواقعية. المعلم اليوم مطالب بأن يفهم ديناميكيات هذه المجتمعات الافتراضية، وأن يكون قادرًا على توجيه طلابه نحو الاستخدام الإيجابي والأمثل لوسائل التواصل الاجتماعي، بعيدًا عن الإدمان الرقمي والعزلة الاجتماعية والتفكك الأسري الذي تسببه الاستخدامات غير الرشيدة للتكنولوجيا. ولا يمكن إغفال البعد القانوني؛ فالعالم الرقمي حقل مليء بالتشريعات والضوابط. المعلم الذي يستخدم التكنولوجيا في تدريسه مطالب بأن يكون على دراية بالحدود القانونية لعمله، وحقوق الملكية الفكرية، وخصوصية البيانات.

وفي إطار تطوير مجتمعات التعلم المهنية، يمكن إنشاء منصة رقمية متكاملة تجمع المعلمين من مختلف التخصصات والمراحل التعليمية، وتتيح لهم تبادل الخبرات والموارد التعليمية، والمشاركة في مشروعات بحثية مشتركة، والتشاور حول طرق حل المشكلات التربوية التي تواجههم، وتلقي الإرشاد والتوجيه من الخبراء والمتخصصين في الميدان.

هذه المنصة يمكن أن تكون نواة لحركة تربوية متجددة، تتجاوز الحدود الجغرافية والمؤسسية، وتخلق مجتمعًا معرفيًا حيويًا خبيرًا يسهم في التطوير المهني المستمر للمعلمين. كما يمكن أن تستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته لتقديم توصيات مخصصة لكل معلم على حدة، بناءً على تحليل احتياجاته واهتماماته وأدائه وميوله وقدراته. وقد أكد أرسطو أهمية التكامل بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، حيث يرى أن الحكمة الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال الجمع بين الفهم العقلي والممارسة العملية (Aristotle, 2009)، وتؤكد النظريات البنائية أن المعرفة تُبنى بصورة ديناميكية وفق تفاعل المتعلم مع بيئته، مما يجعل فرض تصورات الماضي على الأجيال الجديدة عائقًا لنموهم المعرفي. وعليه، فإن الممارسات التربوية الفعّالة تستلزم مراعاة الفروق بين المتعلمين والسياقات المتغيرة للتعلم (جان بياجيه، 1952؛ ليف فيغوتسكي، 1978).

وأخيرًا، لا بد من استشراف المستقبل وإعداد المعلمين لزمن يختلف تمامًا عما نعيشه اليوم. فكليات التربية بحاجة إلى إعداد معلمين قادرين على العمل جنبًا إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته والتقنيات الحديثة، والاستفادة منه كمساعد ذكي وليس كبديل. وهذا يستدعي تضمين البرامج التدريبية محتوى مستقلًا ومعمقًا حول "محو الأمية الخوارزمية" لفهم كيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وتحيزاتها المحتملة، كما يستدعي التركيز على "التدريس المُتمحور حول الإنسان"، وتعزيز المهارات التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي محاكاتها، مثل الذكاء العاطفي والإبداع والتفكير النقدي وبناء العلاقات الإنسانية المتينة. وهذا ما تشير إليه الأدبيات التربوية إلى أن التعلم الفعّال لا يتحقق من خلال فرض أنماط الأجيال السابقة على المتعلمين، بل من خلال مراعاة السياق الزمني والاجتماعي الذي يعيشون فيه، بما يتوافق مع خبراتهم واحتياجاتهم المتجددة (جون ديوي، 1938؛ جان بياجيه، 1952).

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z