القرار الذي لا يُنتظر

كيف تعيد البيانات الضخمة تشكيل مستقبل الإدارة في عُمان؟


 

أ.د. وائل زكريا الصاوي الشنهابي **

wael.z@uob.edu.om

في مرحلة ما داخل كل مؤسسة، يجلس مدير أمام شاشة مليئة بالأرقام والتقارير، ليهم باتخاذ قرار قد يحدد مصير ملايين الريالات، أو مستقبل مشروع بأكمله. لم يعد السؤال اليوم: هل القرار صحيح أم خاطئ؟ بل أصبح: هل سيتم اتخاذه في الوقت المناسب؟ لأن الحقيقة المؤلمة في عالم اليوم هي أن القرار الصحيح إذا جاء متأخرًا، فقد يكون في حكم القرار الخاطئ.

لقد تغيرت قواعد اللعبة. ولّى زمن التردد أو الاعتماد على الحدس؛ فالتسارع المستمر في التغيير، وتصاعد المنافسة، والتقلبات الاقتصادية، تدفع القادة إلى الجمع بين الحسم والدقة. وهنا تحديدًا تبرز البيانات الضخمة وتحليلات الأعمال، ليس كأدوات تقنية فحسب؛ بل كبوصلة ذكية توجه القرارات عند اللحظات الحاسمة.

اليوم، تتدفق البيانات على نطاق غير مسبوق من معاملات العملاء اليومية، إلى التفاعلات على المنصات الرقمية، وصولًا إلى أجهزة الاستشعار والأنظمة التشغيلية. لكن امتلاك البيانات لا يعني امتلاك القرار. الفارق الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل هذا الكم الهائل من البيانات إلى رؤى عميقة قابلة للتنفيذ. وهنا يأتي دور تحليلات الأعمال: فهي لا تكتفي بعرض ما حدث، بل تكشف معناه، وتتنبأ بما سيحدث، بل وتقترح المسار الأمثل للمضي قدمًا.

إذا نظرنا إلى عملية اتخاذ القرار الإداري اليوم، سنجد أنها قد تغيرت جذريًا. ففي السابق، كان المدير غالبًا لا يدرك المشكلة إلّا بعد أن تتفاقم، ثم يبدأ بجمع المعلومات ومقارنة عدد محدود من البدائل، قبل أن يستغرق وقتًا طويلًا للوصول إلى قرار. أما اليوم، فقد أصبحت العملية أكثر ذكاءً وتكاملًا؛ إذ تقوم الأنظمة التحليلية برصد المشكلات فور ظهورها، وتوفر بيانات لحظية من مصادر متعددة، وتقدم نماذج تنبؤية تحاكي سيناريوهات مختلفة؛ مما يُمكِّن القادة من اتخاذ قرارات مستنيرة خلال دقائق بدلًا من أسابيع. والأهم من ذلك، أن القرار لم يعد نهاية العملية، بل أصبح بداية لرقابة مستمرة وفورية تتيح التعديل والتصحيح بشكل لحظي.

تكفي أمثلة الواقع لفهم حجم هذا التحول. ففي سنغافورة، لا تنتظر البنوك اكتشاف عمليات الاحتيال بعد وقوعها، بل تعتمد على التحليلات اللحظية لرصد المعاملات المشبوهة خلال ثوانٍ لاتخاذ الإجراءات. وفي المملكة المتحدة، لم تعد حركة المرور مجرد معاناة يومية، بل أصبحت ظاهرة يمكن التنبؤ بها وإدارتها، بفضل البيانات والقرارات التي تُتخذ قبل بدء ساعات الذروة. أما في الولايات المتحدة، فتستخدم الشركات تحديثات فورية لتعديل الأسعار والعروض وفقًا لسلوك العملاء، وكأن القرارات تُتخذ في اللحظة نفسها التي يحدث فيها الحدث.

هذه النماذج تُرسل رسالة واضحة: لم تعد البيانات مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت عنصرًا فاعلًا ومُباشِرًا في عملية اتخاذ القرار. وهنا يبرز السؤال: في أي مرحلة تقف المؤسسات العُمانية ضمن هذا التحول؟

في الواقع، تمتلك سلطنة عُمان أرضية قوية للتحرك بثقة في هذا الاتجاه، خاصةً في ظل توجهها الوطني نحو التحول الرقمي وبناء اقتصاد قائم على المعرفة. وليس من الصعب تخيُّل تطبيقات عملية في السياق العُماني: جهة حكومية تستشرف الطلب على خدماتها قبل تصاعده، مثل شركة نفط وغاز تدرك اقتراب تعطل معداتها قبل حدوثه، فتتجنب توقفًا مكلفًا، أو شركة خاصة تُعدِّل استراتيجياتها التسويقية فورًا استنادًا إلى بيانات العملاء. هذه ليست أحلامًا بعيدة، بل فرص واقعية في متناول اليد، إذا توفرت الأدوات والمعرفة اللازمة.

غير أن التحدي الأصعب لا يكمن في تطوير التكنولوجيا، بل في وجود الكفاءات البشرية القادرة على توظيفها بكفاءة. فالأنظمة التحليلية المتقدمة دون خبراء يقودونها تشبه طائرة حديثة بلا طيار مؤهل. وهنا يبرز الدور المحوري للجامعات العُمانية، التي يقع على عاتقها إعداد جيل جديد من القادة القادرين على اتخاذ قرارات قائمة على البيانات.

وتقدم التجارب الدولية نماذج ملهمة؛ ففي فنلندا، لا يُنظر إلى تحليل البيانات كمهارة تخصصية فقط، بل كمتطلب تعليمي عابر للتخصصات يهدف إلى بناء عقلية تحليلية لدى القادة. وفي أستراليا، يرتكز التعليم على التطبيق العملي من خلال مشروعات حقيقية وبيانات فعلية، بحيث يكتسب الخريجون خبرة فعلية في اتخاذ القرار. أما في الإمارات العربية المتحدة، فقد تم دمج التعليم مع مبادرات التحول الرقمي بنجاح لإعداد كوادر قادرة على قيادة التغيير.

ومن ثم، تواجه مؤسسات التعليم العالي في عُمان تحديًا يتمثل في تطوير برامجها في تحليلات الأعمال، وضمان توافقها مع احتياجات سوق العمل، مع تمكين الطلبة -وخاصة القادة المستقبليين- من توظيف البيانات في اتخاذ القرار. فلم يعد التعليم مجرد نقل للمعرفة، بل أصبح تمكينًا لصنع القرار في بيئة معقدة وسريعة التغير.

إنَّ التحدي الحقيقي الذي يواجه المؤسسات العُمانية اليوم لا يتمثل في ندرة المعلومات، بل في توقيت استخدامها وكيفية توظيفها؛ فالبيانات متوفرة، والتقنيات موجودة، لكن الفارق يصنعه القائد الذي يعرف كيف يقرأ هذه البيانات، ومتى يتخذ قراره. والمطلوب هو اكتشاف القيمة الحقيقية الكامنة في هذه البيانات، وتوظيفها ضمن عمليات جديدة تقود نحو مستقبل أفضل.

 

** أستاذ إدارة الأعمال، كلية التجارة جامعة البريمي سلطنة عُمان - جامعة بورسعيد المصرية

www.linkedin.com/in/wael-zakaria-171291271

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z