د. عبدالله بن سليمان بن عبدالله المفرجي
بعد أن تم تشخيص الداء، وتعرّفنا على جذوره الممتدة وفروعه المترامية، كأنها أنفاس الزمن التي تمتد في صمتٍ لا تعرفه العواصف، ندرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في الارتفاع فحسب، بل في العمق الذي يثبت الحياة ويعطيها أفقًا بلا نهاية.
في تربة التعليم العام والعالي والمجتمع برمته، آن الأوان للانتقال من رحلة الألم إلى فضاء الأمل الفسيح الرحب، ومن دائرة التشخيص إلى معامل الإصلاح والبناء؛ فأولى خطوات الإصلاح إعادة هيكلة برامج إعداد المعلمين هيكلةً جذريةً تنتقل من النموذج النظري المحض إلى النموذج المهني القائم على الكفايات الفعالة. وهذا يعني أن يكون ثلث الخطة الدراسية على الأقل للتدريب الميداني المكثف، مع اختيار المشرفين الأكفاء لذلك التدريب العملي، وأن ترتبط المعرفة النظرية بالممارسة الصفية في مختلف المواقف التعليمية.
وأكد الجاحظ أن "العلم ليس بما حُفظ، بل بما استُعمل" (الجاحظ، 860 هـ، 2022م، ص. 89)، وهو ما يتوافق مع المبادئ التربوية الحديثة التي تؤكد أن القيمة الحقيقية للمعرفة تكمن في التطبيق العملي وليس في الحفظ وحده ((Hattie, 2012؛ (Kolb, 1984) وقد أظهرت بعض التجارب الدولية، كالنموذج الفنلندي والسنغافوري، أن التركيز على التدريب الميداني هو سر تميز برامج إعداد المعلمين (Sahlberg, 2023).
ومن الأفكار الإبداعية التي يمكن تبنّيها نموذج "المعلم الباحث" الذي يدمج بين التكوين الأكاديمي والبحث الإجرائي العملي. فبدلًا من أن يكون المعلم ناقلًا للمعرفة، يُعد ليكون باحثًا في فصله، قادرًا على تشخيص المشكلات التعليمية اليومية التي تواجه طلابه، وتصميم أبحاث إجرائية صغيرة لمعالجتها، وتقييم أثر تدخلاته. هذا النموذج يحول الفصل الدراسي إلى مختبر بحثي دائم نشط، ويجعل من المعلم مفكرًا ناقدًا ومنتجًا للمعرفة، وليس مجرد مستهلك لها. ويمكن تعزيز هذا التوجه بإدراج مشروع بحث إجرائي تطبيقي ضمن متطلبات التخرج، يشرف عليه فريق مشترك من أساتذة الجامعة الملهمين ومعلمين مبتكرين خبراء من المدارس. وفي هذا يقول شون: "الممارس التأملي هو الذي يبني معرفته من خلال التأمل في ممارسته (Schön, 2023, p. 68).
أما على صعيد أعضاء هيئة التدريس في كليات التربية، فإن الإصلاح يقتضي كسر جدار البرج العاجي الذي تحصن خلفه طويلًا بعضهم. ولعل أكثر الأفكار إبداعًا في هذا المجال إلزام هؤلاء الأساتذة بقضاء فترة زمنية تدريبية دورية في المدارس، لا تقل عن فصل دراسي كامل كل خمس سنوات، يمارسون فيها التدريس الفعلي، ويواجهون تحديات الميدان بكل تجلياته. هذه الفترة تتيح لهم الاحتكاك المباشر الحي بواقع التعليم، ومعايشة تحدياته، وتحديث خبراتهم الميدانية، بحيث يعودون إلى قاعات المحاضرات وهم يحملون تجارب حية عملية وأمثلة واقعية تثري تدريسهم. ويمكن أيضًا إنشاء برنامج "الأستاذ الزائر المزدوج"، حيث يتم تبادل الأدوار بين أساتذة الجامعة ومعلمين متميزين من المدارس؛ فيقضي الأستاذ الجامعي وقتًا في المدرسة يمارس التدريس الفعلي، بينما يقضي المعلم المتميز وقتًا في الجامعة يشارك في تدريب الطلاب المعلمين.
هذا التبادل يكسر الجمود المؤسسي، ويثري الطرفين بخبرات متنوعة، ويجسر الهوة بين النظرية والتطبيق. وقد قال الفارابي: "المعلم الحكيم هو من يجمع بين النظر والعمل، ولا يفضل أحدهما على الآخر" (الفارابي، 2021، ص. 123). وقد طبقت سنغافورة هذا النموذج بنجاح ( (National Institute of Education (Singapore, 2024).
غير أن هذه الجهود كلها تظل ناقصة ما لم تقترن بإعادة نظر جذرية في مفهوم رخصة التدريس ذاتها، تلك الوثيقة التي تمنح حاملها شرف الانخراط في سلك التعليم، وتجعل منه مؤتمنًا على عقول النشء وأرواحهم. إن ما نراه اليوم من اختبارات نظرية جافة يؤديها المعلمون مرة واحدة عند بداية مسيرتهم المهنية، ثم يظلون بعدها سنوات وسنوات بلا تقييم حقيقي لكفاءاتهم، لهو من أعجب العجب وأغرب الغرائب. فالمعلم الذي لا يتطور يظل أسير الماضي، عاجزًا عن مواكبة احتياجات طلابه ومستجدات التعليم، ولا يواكب المستجدات الحديثة، ولا يجدد معارفه ومهاراته، سرعان ما يصبح عالة على مهنته، وخطرًا على طلابه، وعائقًا في طريق التطور التعليمي في بيئة العمل برمته.
إن التجديد الدوري لرخصة التدريس، وفق معايير عالمية وفنية عملية دقيقة، وليس عبر اختبارات نظرية عقيمة فقط، هو ضرورة ملحة لا تقبل الجدل. فكما أن الطبيب لا يظل طوال حياته بلا متابعة ولا رقابة لكفاءاته، وكما أن المحامي لا يمارس المهنة بلا تجديد دوري لمعرفته بالقوانين المتغيرة، فكذلك المعلم أولى بهذا التجديد وأحر من غيره. لكن التجديد المنشود لا يكون عبر امتحانات نظرية فقط في قاعات مغلقة، يحفظ فيها المعلم نصوصًا لا تمت إلى واقع عمله الوظيفي بصلة، وإنما عبر تقييم حقيقي لأدائه داخل الفصل الدراسي، ومتابعة دقيقة لتفاعله مع طلابه، وتحليل ناقد لأساليبه وطرقه المبتكرة والعلمية. وقد أشار ابن خلدون: "الملكة لا تحصل إلا بتكرار الفعل" (ابن خلدون، 2023، ص. 201).
وهنا تبرز أهمية فكرة إنشاء هيئة مستقلة للترخيص المهني للمعلمين، تكون مهمتها وضع المعايير الدقيقة للتجديد الدوري، والإشراف على عمليات التقييم، ومتابعة أداء المعلمين في الميدان العملي. وقد أنشأت العديد من الدول مثل بريطانيا وكندا هيئات مستقلة مماثلة، وأثبتت التجارب نجاحها في رفع جودة الأداء التعليمي (Teaching Regulation Agency UK, 2024; Ontario College of Teachers, 2024).
وهكذا تتكامل أهم محاور الإصلاح الجذري، محاور تتساند وتتضافر مع بعضها البعض لتحقيق نقلة نوعية مميزة في إعداد المعلمين. فإعادة هيكلة البرامج نحو النموذج المهني تضع الطالب المعلم في صلب الحدث، وربط النظرية بالتطبيق يضمن أن المعرفة لا تظل حبيسة العقول فقط. وإلزام أساتذة التربية بالتدريب الدوري في المدارس يعيد الحياة إلى برامجهم، ويجعلهم قدوة حقيقية لطلابهم.
أما نظام الترخيص المهني المقترح القائم على الأداء والتجديد الدوري، فيضمن أن يبقى المعلم في حالة تعلم مستمر طوال حياته المهنية. غير أن الإصلاح لا يقف عند هذا الحد، فما زالت أمامنا محطات أخرى لا تقل أهمية عن غيرها، كتلك التي تتعلق بمن يتولون قيادة هذه الكليات ويحركون بوصلتها نحو التطور والازدهار، وبالشراكات التي يجب أن تعقدها مع الميدان، وبالبنية التحتية التقنية والبشرية التي تحتاج إلى نقلة نوعية وتحول جذري.
