انهيار مفاوضات السلام بين أمريكا وإيران

 

 

 

حمد الحضرمي **

لم يكن العالم يترقب مجرد لقاء عابر، بل كان ينتظر لحظة فارقة قد تُطفئ نارًا تشتعل في خاصرة العالم. في باكستان، حيث بُذلت جهود دبلوماسية مكثفة لردم الهوة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، انعقدت الآمال على أن ينتصر العقل، لكن ما حدث كان سقوطًا جديدًا للمنطق السياسي أمام سطوة القوة.

لم تفشل وتنهار المفاوضات لأن الحل مستحيل، بل لأنها لم تُمنح فرصة حقيقية لتكون “مفاوضات” من الأساس. فما طُرح على الطاولة لم يكن حوارًا متكافئًا، بل قائمة شروط جاهزة، أقرب إلى إملاءات تُفرض من طرف يرى نفسه أقل تعرضًا للخطر، وأكثر قدرة على فرض كلمته.

إن جوهر التفاوض يقوم على التنازل المتبادل، لا على الإذعان. لكن حين تتحول العملية إلى محاولة فرض إرادة طرف واحد، فإنها تفقد معناها، وتتحول إلى شكل من أشكال الضغط السياسي المغلف بغطاء دبلوماسي. وهذا ما حدث تمامًا.

لقد تعاملت الولايات المتحدة الأمريكية مع المشهد وكأنها خارج دائرة الخطر، متناسية أن اشتعال المنطقة لن يتوقف عند حدود إيران، بل سيمتد ليطال الخليج العربي بأكمله، حيث تقف دوله وشعوبه على خط النار، اقتصاديًا وأمنيًا وإنسانيًا.

أما إيران، فهي وإن كانت طرفًا مباشرًا في النزاع، إلا أنها ليست وحدها من سيدفع الثمن. فالحروب لا تُصيب الجغرافيا فقط، بل تضرب الاستقرار العالمي، وترفع أسعار الطاقة، وتُثقل كاهل الدول الفقيرة التي لا ناقة لها ولا جمل، لكنها تدفع الفاتورة كاملة.

لقد أثبتت هذه الجولة أن الخلل لا يكمن في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة الحقيقية للوصول إليها. فحين يدخل طرف إلى طاولة المفاوضات وهو متمسك بكل شيء، مطالبًا الطرف الآخر بالتخلي عن كل شيء، فإن النتيجة محسومة مسبقًا: فشل… مهما كانت الجهود المبذولة.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الوساطات، رغم صدقها، عاجزة أمام تعنت القوة. فالدبلوماسية لا تنجح إذا لم تجد آذانًا تسمع، ولا قلوبًا تدرك أن السلام ليس تنازلًا، بل ضرورة.

لم يكن السلام مستحيلًا؛ بل تم إجهاضه على طاولةٍ كان يفترض أن تُنقذه. وحين تُدار المفاوضات بعقلية الإملاء لا الشراكة، فإن الفشل لا يكون صدفة، بل قرارًا مُسبقًا. لقد اختارت الولايات المتحدة الأمريكية أن تفرض شروطها بدل أن تبحث عن حل، فأسقطت فرصة كانت كفيلة بتجنيب إيران، والخليج العربي، بل والعالم، موجة تصعيد لا يعلم مداها إلا الله.

ومع ذلك، فإن مهلة الأسبوعين لم تُطوَ صفحتها بعد، وما زال في الوقت متسع لأن تُستأنف الجهود، وأن تعود الأطراف إلى طاولة تفاوض حقيقية، لا طاولة إملاءات. ففشل مفاوضات الأمس لا يعني نهاية الطريق، بل قد يكون بداية مراجعة تُعيد للعقل مكانه، وللسلام فرصته.

فالسلام ليس خيارًا ثانويًا؛ بل هو الطريق الوحيد لبقاء الدول، وأمن الشعوب، واستقرار العالم، وحين تُكسر فرص السلام بهذا الشكل، فإن العالم لا يقف على أعتاب اتفاق؛ بل على حافة انفجار. وأي تأخير في الوصول إليه، ليس إلا اقترابًا من لحظة يدفع فيها الجميع الثمن.

** محامٍ

الأكثر قراءة

z