استراحة محارب

 

حاتم الطائي

"حرب الأربعين يومًا" وضعت المنطقة على شفا الهاوية

تصريح ترامب بـ"محو الحضارة الإيرانية" يمثل جريمة حرب

ترامب يريد اتفاقًا للنجاة من "المستنقع الإيراني"

قد يظُنُّ البعضُ أنَّ الحرب على إيران وضعت أوزارها بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقف إطلاقِ نارٍ مؤقتٍ لمدة أسبوعين، بدأ- حسب التصريحات- في وقت مبكر من صباح الأربعاء الماضي، غير أن الهدنة الفعلية أصبحت ساريةً بعد ذلك بساعات طويلة، شهدت خلالها تصريحات وتصريحات مضادة، وتضاربًا في الأنباء، لا سيما فيما يتعلق بشمول لبنان ضمن "بنود الهدنة" من عدمه، في ظل المذبحة الصهيونية التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في لبنان ذلك اليوم.

هُنا نحن أمام عدة نقاط ينبغي التوقُّف أمامها، ودراستها بتأنٍ، وتحليليها بعمقٍ.

أولًا: حرب الأربعين يومًا.. شنَّت الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل عدوانًا مُباغتًا على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بينما كانت المفاوضات التي رعتها سلطنة عُمان تمضي قُدمًا وعلى وشك التوصل لاتفاق جديد يُقصي شبح الحرب، ما دفع طهران للرد بهجمات صاروخية وبالمُسيَّرات على أهداف أمريكية في المنطقة وعلى أهداف عسكرية وحسَّاسة في دولة الاحتلال. هنا اشتعلت الأوضاع وتحوَّل المشهد إلى حرب حقيقية، وليس كما يدعي ترامب ومجرم الحرب بنيامين نتنياهو أنها "عملية عسكرية". تعقَّدَ المشهد أكثر مع قرار إيران غلق مضيق هرمز، ليتضح أنه الورقة الرابحة لإيران، وليس اليورانيوم المُخصَّب، ولا صواريخها الباليستية التي وصلت إلى قلب إسرائيل وإلى قاعدة دييجو جارسيا في المحيط الهندي، وهي ذات المسافة المطلوبة لقصف باريس أو برلين أو أي عاصمة أوروبية!

في هذه الحرب التي استمرت 40 يومًا تقريبًا، تكشَّف للجميع، لا سيما في منطقة الخليج، أن الولايات المتحدة لا يعنيها من حلفائها سوى إسرائيل، خاصةً وأن ساكن البيت الأبيض لم يضع في حسابته- وفق تصريحه- أن إيران قد ترد بضرب أهداف في دول الخليج، وإنما فكّر فقط في إسرائيل، وفي كيفية حمايتها، ودليل ذلك حاملات الطائرات المُتمركِزة في البحر الأبيض المتوسط وكذلك البحر الأحمر، فضلًا عن تلك في المحيط الهندي، إلى جانب الجسر الجوي الذي أمدَّ به إسرائيل بأسلحة وذخائر.

ثانيًا: من المُنتصِر؟!

الحرب ليست مباراة كرة قدم، تنتهي بخسارة أحد الفريقين، حتى لو اندلعت جولة أخرى من الحرب (أشواط إضافية).. وإنما هي معارك، بعضها عسكري يُحسم بالسلاح والذخيرة، والبعض الآخر سياسي، تكتبُ الدبلوماسيةُ سطورَهُ، وتصيغه حنكة المسؤولين وذكاؤهم، وتُرجِّح كفته أوراق الضغط لدى كل طرف. وقد برهنت نتائج هذه الحرب أن أيًّا من الطرفين لا يُمكن- حتى هذه اللحظة- اعتباره منتصرًا، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي القول إن الخسائر الميدانية، لا سيما في البنية التحتية العسكرية أو المدنية، أو عدد ضحايا الحرب، تُمثِّل هزيمةً لطرف دون آخر. كما إنَّ التفوُّق العسكري لأي طرف لا يعني أنه المُنتصِر كذلك! ولعل التصريح الإجرامي الذي أدلى به ترامب عندما هدد بـ"محو الحضارة الإيرانية"، دليل قاطع على إفلاسه عسكريًا وسياسيًا، عوضًا عن كون هذا التصريح يمثل مُستندًا لإدانته بجرائم حرب في إيران.

ثالثًا: مفاوضات الهدنة الهشة

مع إعلان الرئيس ترامب وقف إطلاق النار، وموافقة إيران عليها، والبدء السريع في المفاوضات برعاية باكستان، الجار الجُنب لإيران، شهدت الساعات الأولى استمرارًا للعمليات العسكرية، لا سيما من جانب إيران، مُسجِلةً خسائر لأطراف إقليمية ومصالح أمريكية، وفي المقابل شنَّ الاحتلال الإسرائيلي غارات دموية على لبنان وُصِفَت بأنها الأعنف منذ اندلاع حرب الأربعين يومًا، ومثّلت ثاني أكبر ضربة لحزب الله بعد عملية "البيجرات".

ولذلك انطلقت مفاوضات إنهاء الحرب على أرضية غير مُستقرة، وظلَّ الجميع يترقب انهيار الهدنة في أي لحظة، خصوصًا مع تمسُّك إيران بالشروط والخطوط الحمراء التي أعلنتها، بينما لم تُظهر الإدارة الأمريكية اعتراضًا على أيٍّ من هذه الشروط، وإنما قال بعض المسؤولين إنَّه يمكن التفاوض حولها.

غير أنه مع نجاح إسلام أباد في بدء المفاوضات، يُمكننا القول إنَّ الطرفين يسعيان جديًا للتوصل لاتفاق، ما يؤكد أن الرئيس الأمريكي بات في وضع صعب للغاية، لا سيما أمام قاعدته الانتخابية وحركته الشعبية المؤثرة "ماجا"، فقد كانت الحرب تستنزف يوميًا مليار دولار، يتحمل عواقبها دافع الضرائب الأمريكي، الذي وجد نفسه أمام ارتفاع كبير في أسعار الوقود، وزيادة في معدلات التضخم، فضلًا عن تراجع ترامب عن شعار "أمريكا أولًا"، ليكون "إسرائيل أولًا"، وهو ما يؤكد مدى هيمنة اللوبي الصهيوني على أولويات وقرارات ترامب.

رابعًا: البيت الأبيض يُريد اتفاقًا

ولا شك لدينا في أن البيت الأبيض يُريد اتفاقًا يحفظ ماء الوجه لترامب المُتوَرِّط في هذه الحرب، التي لم يعد خافيًا أن مجرم الحرب نتنياهو قد حرَّضه عليها، بعد أن فشل على مدار عقود في تحريض 3 رؤساء أمريكيين على ضرب إيران، فحسب تصريح لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري، حاول نتنياهو تحريض جورج بوش وباراك أوباما وجو بايدن، على ضرب إيران، ولم يوافق سوى ترامب، والذي وجد نفسه في مُستنقعٍ لا مخرج منه، وأن استمرار الحرب قد يُشعل فتيل حربٍ عالمية، إذا ما تدخَّلت فعليًا وميدانيًا كل من الصين أو روسيا، أو حتى إذا انزلقت الأمور إلى ما لا يُحمد عُقباه.

رابعًا: بروز قوى إقليمية فاعلة

الحرب كشفت عن بروز قوى إقليمية فاعلة في إقليمنا العربي، ألا وهي باكستان، التي لم تكن- تاريخيًا- لها دور مؤثر في التطورات بالشرق الأوسط، حتى وإن أبدت تأييدًا للمواقف العربية تجاه قضايا السلام والاستقرار. الدور الباكستاني أثبت أن موازين القوى في إقليمنا لم تعد كما كانت في السابق، مع الوضع في عين الاعتبار أن باكستان كانت شاهدةً على "اتفاق السلام" الذي أعلنه ترامب في مدينة شرم الشيخ المصرية لإنهاء حرب غزة، كما أن إسلام أباد أبرمت اتفاقية دفاع مشترك مع المملكة العربية السعودية، وإذا ما نجحت باكستان في إنجاح هذه المفاوضات، فسنكون أمام تطور جيوسياسي غير مسبوق، يتمثل في دخول قوة إسلامية غير عربية إلى منطقتنا، وفيما يبدو أنها ستكون البديل عن القوة التركية، التي لطالما سعت لموطأ قدمٍ وفق "العقيدة الأردوغانية".

ويبقى القول.. إنَّ مفاوضات "الحل النهائي" تُمثِّل محطة الحسم المُنتظرة في هذا الصراع؛ حيث يسعى كل طرف لاستغلال وقف إطلاق النار لتحسين النتائج التي تحققت على أرض الميدان، وتحويلها إلى مكاسب سياسية استراتيجية، لكن من المؤكد أن على كل طرف تقديم تنازلات، لا سيما الولايات المتحدة، التي لم تُحرز أيًّا من أهداف الحرب المُعلنة أو السرية، بدليل أن اليورانيوم ما يزال في قبضة الإيرانيين، والصواريخ الباليستية ظلت تُطلَق وبكثافة على الكيان الصهيوني حتى آخر لحظة من الحرب، وأيضًا لم تنجح العمليات العسكرية في فتح مضيق هرمز، وبات الاعتماد بشكل كبير على المفاوضات. فهل نتوقع اتفاقًا يُنهي الحرب أم أن الهدنة لن تكون سوى "استراحة مُحارب" يتأهب للانقضاض على الخصم في اللحظة الحاسمة؟!

الأكثر قراءة

z