حمد الحضرمي
العالم يحبس أنفاسه، لأنه لا يقف على حافة حربٍ فحسب، بل على حافة مصيرٍ كامل يتشكّل في غرف مغلقة داخل باكستان. اليوم، لا تدور المفاوضات بين طرفين عاديين، بل بين قوتين تتصارعان على النفوذ والهيبة، وإعادة رسم التوازنات في المنطقة. حربٌ استمرت لأسابيع، لكنها في حقيقتها امتداد لصراعٍ عمره عقود بين الولايات المتحدة وإيران، تتداخل فيه السياسة والمصالح وفرض القوة العسكرية.
ورغم أن طاولة المفاوضات قد نُصبت، إلا أن الواقع أكثر قسوة مما يبدو. كل طرفٍ يدخل هذه المفاوضات وهو يحمل أوراق قوته، لا ليقدّم تنازلات، بل ليُكرّس مكاسبه. واشنطن تريد تثبيت قواعد ردع جديدة، وطهران تسعى لترسيخ حضورها كقوة لا يمكن كسرها.
لكن الحقيقة التي لا يريد أحد الاعتراف بها: لا سلام دون تنازلات، ولا تنازلات دون ثمن. وهنا يأتي الدور الأخطر… دور الوسيط. باكستان لا تستضيف مجرد اجتماع، بل تقف في قلب معادلة معقّدة، حيث الكلمة قد توقف نزيفًا، أو تشعل حريقًا لا يُطفأ. الحكمة هنا ليست خيارًا، بل ضرورة تاريخية.
العالم بأسره يراقب هذه المفاوضات لحظة بلحظة، ينظر إلى مضيق هرمز، هل يتحول إلى عنق زجاجة يخنق الاقتصاد العالمي، ومن جهة أخرى يتابع أسواق الطاقة التي ترتفع أسعارها عند كل خبر مقلق، والشعوب التي أنهكتها الأزمات، والتي لم تعد تحتمل حربًا جديدة. فإن نجحت هذه المفاوضات الصعبة، لن يكون ذلك مجرد اتفاق سياسي، بل نقطة تحوّل تعيد رسم ملامح المنطقة، أما إن فشلت، فالعالم لن يعود كما كان.
الحرب حين تعود، لا تعود ضعيفة، بل أكثر شراسة، وأكثر اتساعًا، وأكثر قسوة على الجميع-خاصة لما تقوم به الولايات المتحدة هذه الأيام، من حشد قواتها المسلحة من أغلب قواعدها العسكرية في أوروبا وآسيا، لمحاصرة إيران من كل جانب- ووقتها لن يكون هناك منتصر حقيقي، بل خاسرون كُثر، وربما عالمٌ بأكمله يدفع الثمن.
إن السؤال المطروح اليوم لم يعد: من الأقوى؟ بل أصبح: من الأذكى؟ ومن يملك شجاعة التراجع قبل فوات الأوان؟
إنها لحظة اختبارٍ للتاريخ، لا للسياسة فقط. لحظة تُقاس فيها العقول لا بالصواريخ؛ بل بالقدرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فإمَّا أن تُكتب هذه المفاوضات كصفحة نورٍ أوقفت حربًا عبثية، كانت على وشك أن تلتهم الجميع، أو تُسجَّل كفرصةٍ ضاعت، ففتحت أبواب الجحيم على مصراعيها. لأن الحقيقة التي لا تقبل الجدل: حين تبدأ النار، لا تسأل من أشعلها، لأنها ستلتهم كل شيء بلا استثناء.
وتبقى الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها، أن قرارًا واحدًا متهورًا قد لا يشعل حربًا فقط؛ بل ينسف استقرار منطقةٍ بأكملها، ويضع العالم أمام فاتورةٍ لا يستطيع أحد سدادها.. فإما شجاعةٌ تُنهي هذه الحرب، يتحمّل فيها الجميع مسؤولياتهم التاريخية، أو عنادٌ أعمى... يدفع ثمنه الخليج أولًا، ثم يمتد ليلتهم الاقتصاد العالمي، ويخنق حياة الشعوب- خاصة الفقيرة- بلا رحمة.
التاريخ لن يرحم أحدًا، لا من أشعل المواجهة، ولا من صمت عنها، ولا من امتلك فرصة إيقافها ثم أضاعها.
