د. محمد بن خلفان العاصمي
سُئل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى: كيف تعرف أهل الحق في زمن الفتن؟ فقال: "اتبع سهام العدو، فهي ترشدك إليهم".
هذا هو الحال في هذا الوقت بالتحديد؛ فسهام العدو الغاصب المحتل لأرض فلسطين العربية، ومعه من والاهم وأتبعهم من المتصهينين، يمموا سهامهم الغادرة نحونا، وإنه لشرف عظيم أن تتوجه هذه السهام إلينا؛ فهي دليل قاطع على أننا نسير في طريق الحق، وإنه لفخر كبير أن نرى كيف توجعهم مواقفنا ومبادئنا، فيجن جنونهم، ويسلطون سفهاءهم من أراذل القوم ليزيفوا ويلفقوا ويطعنوا ويحرفوا الكلام على هذا الوطن الذي لا يتزعزع عن ثوابته.
ما نراه اليوم من هجمة شعواء على سلطنتنا الحبيبة هو نتاج مواقفها الثابتة وصراحتها وإيمانها بمبادئ وقيم وضعتها خطوطًا لا تتجاوزها، وحددت من خلالها نهج السياسة الخارجية ومنطلق العلاقات الدولية مع دول العالم، وهي السياسة التي جنبت سلطنة عُمان الكثير من الأزمات والتجاذبات، وساهمت في بناء صداقات قوية مع دول العالم، كل ذلك أكسبها مكانة جعلت من كارهي السلام وتجار الحروب ووكلاء الأزمات يوجّهون سهامهم المسمومة إلى هذا الوطن العظيم.
لا يدرك هؤلاء المغفلون أن من يركن إلى تاريخ عظيم راسخ، ومن يملك قراره بيده، ومن لا يتلون في مواقفه، ومن لا يساوم على قضايا الأمة، ومن لا ينقض المواثيق والعقود، ومن يحترم القانون الدولي ولا يتجاوزه، لا يخشى هذه السهام الهشّة، ولا يخاف من تكالب هذه الشراذم التي تعيش في الخفاء وتنتهج أساليب رخيصة في الخصام؛ هذه الخفافيش التي تسلط المأجورين ومعدومي الذمة في أعمالها القذرة المكشوفة، فهم أوهن من المواجهة، وأضعف من الظهور.
إن الشجاعة التي أظهرتها سلطنة عُمان في مواقفها السياسية على الدوام أكسبتها احترام المجتمع الدولي، ليس من خلال هذه الأزمة فحسب، بل في كل الأحداث التي مرت على المنطقة والعالم، ولأن سلطنة عُمان لا تتاجر بأزمات الشعوب، ولا تعتاش على معاناة الدول، ولا ترضى أن تكون جسرًا لتحقيق طموحات مثيري النزاعات والحروب، لأجل هذا كله تتعرض لحملة تشويه واسعة، وهجوم على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العميلة للكيان الغاصب، والذي يبدو أنه يتخبط نتيجة هذا الثبات الذي تظهره بلادنا العزيزة.
لقد كانت كلمات معالي السيد وزير الخارجية حاسمة قبل بداية الحرب، وبعد أن نشبت الحرب اكتشف العالم بأسره أن هذه الكلمات كانت عبارة عن صمام أمان لتجنيب العالم كارثة كبيرة، ولكن كان الأوان قد فات. ولأن هذا الوطن لا يقتات على الأزمات والحروب، ورغم عدم تأثره، خاصة اقتصاديًا، بهذه الحرب؛ بل على العكس، إلا أنه كان أول الساعين لاحتواء الأزمة، وكان صاحب الجهد الأكبر لوقف الحرب. وفي وضع مشابه لهذا، فهناك دول كانت سوف تستغل الأزمة لتعظيم مكاسبها وتحقيق غاياتها؛ فالغاية لديها تبرر الوسيلة، والمصالح الخاصة مقدمة على كل شيء، أما سلطنة عُمان المؤمنة بقيمها ومبادئها فلم ترَ في الحرب خيرًا، ولذلك سعت إلى وقفها.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نقف كعُمانيين برؤوس شامخة، يملؤها الفخر والاعتزاز والزهو بمواقف دولتنا، قيادةً وشعبًا؛ فما هذا الثبات إلا دليل قاطع على عظمة هذا الوطن، وعلى حكمة قيادته الرشيدة، التي وجدت أن استمرار الدول وتطورها مناط بمدى قدرتها على الثبات في وجه التحديات والأزمات، ومن خلال تمسكها بمواقفها وثباتها دون تبعية في القرار السياسي. ولذلك ظلت سلطنة عُمان مستقلة بمواقفها وقراراتها منذ آلاف السنين؛ فهذا البلد، ومن يفهم ويحسن قراءة التاريخ، يعرف أن له مرجعية سياسية تاريخية يستند إليها.
لقد كانت المواقف الرسمية لسلطنة عُمان واضحة كل الوضوح في هذه الأزمة، كما أنها التزمت بواجبها تجاه الخليج العربي والأمة الإسلامية، وكان لها دور في تقريب وجهات النظر، ورغبة دائمة لوضع الحلول وتغليب صوت القانون الدولي، وخاصة بعد اندلاع أزمة المضيق، مما يدل على أن النهج الذي تنتهجه يسير وفق رؤية واضحة تهدف للسلم والتعايش وحل الصراعات بالطرق الدبلوماسية والسياسية، وعدم استخدام القوة في مواجهة التحديات. وهذا ما لم يعجب الصهاينة وأشياعهم، فحاولوا بكل الطرق الزج بسلطنة عُمان في هذه الحرب من خلال مسيرات الغدر والخيانة، ومن خلال الكذب والتدليس، ولكن بفضل الله، وبفضل القيادة الحكيمة ووعي الإنسان العُماني، باءت محاولاتهم بالفشل.
لقد أثبتت الأزمة الأخيرة للعالم أجمع أن سلطنة عُمان والعُمانيين على حق، وأن صوت العُماني لا يُحدث ضجيجًا، لكنه صوت حكمة، وأن الخير في الثبات على المبادئ والقيم، وأن الغدر والطعن في الظهر ليس من طباع هذا الوطن؛ لذلك ثار غضب الحاقد العميل، وجن جنونهم، فصوبوا سهامهم نحو أهل الحق، ولا يعلمون أنها ارتدت إليهم.
