"حرب الخليج" والدبلوماسية العُمانية

 

 

 

د. رضا بن مهدي اللواتي

إبان الحروب التي نشبت في أوروبا الوسطى بسبب الصراع على وراثة الإمبراطورية الرومانية والكنيسة الكاثوليكية وبروز المذهب البروتستانتيّ الجديد، كانت أوروبا بقيادة ألمانيا والنمسا، وعندما نشبت حرب الثلاثين عامًا (1618-1684)، كانت فرنسا تراقب الوضع الأوروبي، لما يؤول إليه هذا الصراع، وتولى في تلك الحقبة القيادة السياسية في فرنسا، وبأمر من لويس الثالث عشر (1610 - 1643)، الكاردينال راشيلو (Cardinal Richelieu)، والذي كان بمنصب الوزير الأول في فرنسا (1624 - 1642).

كان الكاردينال يمتاز بحنكة دبلوماسية ونظرة استراتيجية وقراءة دقيقة للواقع الأوروبي؛ حيث استطاع إخراج فرنسا من المأزق التاريخي عند انحلال ما تبقى من الإمبراطورية الرومانية وانحلال أوروبا إلى دويلات متصارعة لعقود طويلة، فما كان من هذا التشظي إلا أن دفعت أوروبا أثمانًا باهظة، وأدى ذلك إلى ضعف دور الكنيسة التاريخي. وهذه من إحدى النتائج المباشرة لسقوط الإمبراطوريات وتداعياتها على الدول والكيانات المتصارعة، وهو ما شاهدناه أثناء سقوط الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي.

وهذا الكاهن السياسي، الذي اقترب من البلاط الملكي الفرنسي، كان يجيد فنون السياسة وكواليسها ودسائس الحكم والبلاط؛ حيث ابتدع دبلوماسية جديدة مميزة؛ إذ إن أفكار مكيافيلي بدأت تنتشر في تلك الحقبة تحديدًا، وكان يقول: "إن الدولة كيان مجرد ودائم موجود بحد ذاته"، وكان ينحو إلى أن الدولة ليست مشروطة بالحاكم ولا بالمصالح العائلية أو بما يملي عليه "الدين"، أو أن تكون للكهنة المرجعية في إدارة شؤون الدولة، ولكن ينبغي أن تكون للدولة مصالح قومية تكون هي البنية الأساسية في العلاقات الدولية.

وعندما دبّت الفوضى في أوروبا الوسطى، كان يرى أنه لا ينبغي لفرنسا حمل السلاح دفاعًا عن الكنيسة، بل ينبغي لها أن تلجم طغيان إمبراطورية هابسبرغ الألمانية، فاتجهت فرنسا تكتيكيًا إلى دعم التحالف البروتستانتي الآخر، والذي تمثل في السويد وبروسيا وأمراء ألمانيا الشمالية، في مقابل التحالف الأساسي، والذي كان برئاسة إمبراطورية هابسبرغ والنمسا.

ما يعنينا من هذه القصة التاريخية هو كيف وضع الكاردينال المصالح العليا للدولة فوق أي اعتبار آخر؛ فكان يقول: "الإنسان خالد، خلاصه في العالم الآخر، أما الدولة فلا علاقة لها في الخلود، خلاصتها إما الآن أو لا إلى الأبد". وكان يشير إلى أن الخطر الدائم على فرنسا ليس "الميتافيزيقيا"، بل الخطر كل الخطر في الاستراتيجية المتبعة من حيث مراعاة المصالح العليا للدولة.

وعندما يسرد هنري كيسنجر هذا المشهد في كتابه "النظام العالمي"، يستخلص عدة نقاط من هذه التجربة التاريخية؛ حيث يقول إنه لا يمكن لأي منظّر استراتيجي أو واضع لسياسة خارجية أن يتجاهلها.

تساعدنا هذه النقاط، من منظور السياسة الخارجية الأمريكية، في قراءة المشهد السياسي ومواقف الدول المختلفة في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكذلك تحليل موقف سلطنة عُمان من هذا المشهد، والذي أربك بعض المحللين السياسيين والإعلاميين.

أولًا: ينبغي للسياسيّ أن يتخلص من الضغوط السياسية الخارجية، والتي قد تكون متضاربة أحيانًا، ويكون للدولة توجه دبلوماسي متماسك وهادف ضمن استراتيجية سياسة خارجية ومتطلبات المصالح القومية.

ثانيًا: على الدبلوماسي أن يعرف مآلات ونتائج تلك الاستراتيجية بدقة، ولماذا تتبع الدولة تلك السياسة.

ثالثًا: على الدبلوماسي أن يتحرك على الحافة الدبلوماسية لما هو ممكن، واضعًا نصب عينيه تجارب مجتمعه ودولته وتطلعات شعبه وتاريخه؛ حيث إن قدرًا يسيرًا من الجرأة يبقى مطلوبًا.

والمتتبع للسياسة العُمانية خلال العقود الأخيرة، وتحديدًا منذ سبعينيات القرن الماضي، يدرك أنها لم تتغير حسب الأوضاع السائدة في تلك المرحلة، خاصةً أثناء حرب الخليج الأولى أو الاتفاقات التي كانت تجريها بعض الدول العربية خارج الإجماع العربي أو الإسلامي. فمثلًا، نجد أن السياسة الخارجية، وبعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل (كامب ديفيد)، لم تتغير سياسة السلطنة؛ حيث تغيرت سياسات معظم الدول العربية تجاه مصر الشقيقة، وذلك لأن المبادئ العُمانية كانت، ولا تزال، هي مبادئ دولة لا مبادئ الزمن، ولا يمكننا أن نتدخل في سياسات دول أخرى، وبالمثل لا نقبل أن تتدخل تلك الدول في سياساتنا.

وكذلك نجد، أثناء الثورة الإيرانية وتغيير النظام في إيران من الملكية إلى جمهورية إسلامية، لم تتغير سياسة السلطنة تجاهه؛ فكانت سلطنة عُمان هي المبادِرة في مباركة الدولة الجديدة والاعتراف بها، فما لم تمس السيادة الوطنية فلا علاقة لنا بما يختاره الشعب من الحكم، وما لم تتأثر حدودنا فلا ضير في عقد علاقات متبادلة مع الدول. وهكذا في حرب الخليج الثانية ودخول القوات العراقية إلى الكويت الشقيقة، كانت السياسة العُمانية هي شجب وإدانة ذلك التحرك، ودعم وتأكيد على الحقوق الشرعية للكويت الشقيقة، بل والمشاركة في تحريرها وبذل الدماء في إرجاع الحقوق إلى أهلها.

ومن هذا وذاك، ومن شهادة التاريخ واستقراء المواقف من مختلف الأزمات التي عصفت بالمنطقة خلال العقود الأخيرة، فإن المنطق الذي تسير عليه السياسة العُمانية هو ذاته، والمبادئ هي ذاتها. وإذا كانت مواقف بعض الأشقاء تغيرت عبر الزمن حسب ما تقتضيه الظروف الموضوعية، أو بسبب نقمة الجغرافيا أو نقمة التاريخ، فإن لكل دولة شأنها الخاص بها. وأي دولة تستطيع أن تجتاز هاتين العقدتين وتضعهما في بناء سياسة مستقلة ومبادئ ثابتة، فإنها تكون بعيدة عن الضغوطات الخارجية، وتستطيع أن تتأقلم مع الأوضاع الآنية، ولا تنحرف قواعدها السياسية فيما إذا كانت متصالحة مع تاريخها وثقافتها وتطلعات شعبها؛ فإن العامل الجغرافي، كما يمكن أن يكون معضلة، كذلك يمكن أن يكون سببًا لإرساء تلك الأسس السياسية. وهذا ما ينبغي التفكير فيه بعد العاصفة ككيان خليجي واحد نتأثر ونؤثر؛ حيث نشترك في الإرث الثقافي والدين الواحد والجغرافيا المشتركة.

والآن يمكننا قراءة المواقف التي انتهجتها سلطنة عُمان خلال الحرب على إيران؛ حيث إنها نابعة من الأسس الثلاثة التي تحدثنا عنها: اللحظة، والجغرافيا، والتاريخ. ولا يمكننا أن ننتهج سياسة بمعزل عن فهم دقيق للجغرافيا والتاريخ. والسياسي يضع نصب عينيه هذا العامل، وأنها قد تكون نقمة إذا ما انتهجنا طريقًا وسلوكًا معاديًا لها، وقد تتحول هذه السياسة نعمة إذا كانتا مجتمعين ومتجانستين مع البيئة الداخلية والثقافة والدين.

والمقالة التي كتبها معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، في مجلة "ذي إكونوميست" البريطانية (والتي تُعد الناطق الرسمي للغرب الرأسمالي)، تأتي في سياق تبيان مواقف سلطنة عُمان ورأيها من الأزمة الحالية وطريقة الخروج منها، ووضع الدول الأوروبية، خاصة، أمام مسؤولية تاريخية؛ لأن السلطنة أدركت خلال الجولات المختلفة أنه إذا ما نشب صراع عسكري بين الأطراف، فإن العالم سيكون مختلفًا بعد الحرب؛ لذلك سعت بكل جد لإيجاد حلول لهذه الأزمة التاريخية، والتي هي حقًا أعمق أزمة تمر بها المنطقة منذ استقلالها.

من لم يفهم السياسة الدولية، وكانت قراءته للمشهد قراءة هشة، لم يستوعب خطوات سلطنة عُمان والسياسة التي اتّبعتها، كما أصابه الإحباط والذهول، لكن الحكمة العُمانية اقتضت استيعاب تلك الانتقادات والسهام العشوائية التي وُجّهت لها على مختلف وسائل التواصل الحديثة؛ وذلك إدراكًا من عُمان أن الزمن كفيل بإبراز صحة القرار والنهج الذي تنتهجه في السياسة الخارجية منذ السبعينيات وإلى يومنا هذا.

إن سلطنة عُمان، كبقية الدول الكبيرة، لا تتغير سياساتها بتغيّر حكامها، وإن تغيرت بعض الأساليب أو تغير الخطاب حسب مقتضى الحال، لكن السياسات تظل ثابتة وراسخة، منبعها الأسس التي ذكرناها، ولا تتغير بتغير اتجاه الرياح. فمن يستطيع، وتحديدًا في هذا التوقيت، أن يقول: "لقد كان أكبر خطأ في حسابات الإدارة الأمريكية، بطبيعة الحال، هو السماح لنفسها بالانجرار إلى هذه الحرب من الأساس" (ذي إيكونوميست)، سوى سياسي حاذق ومتمرس وقارئ دقيق للأحداث، يقود سياسة خارجية لدولة عريقة تنظر إلى الثوابت الجغرافية ومتغيرات التاريخ، وترى ما ستؤول إليه النتائج؟

إننا في موقع جغرافي يحترق بالنيران، وسلطنة عُمان، وبفضل حكمة قيادتها، اختارت أقوى أدوات الحرب: "الوقت والصبر"، كما قال الروائي الروسي ليو تولستوي في كتابه "الحرب والسلم"، وفي مقابل ذلك اتخذت بعض الدول طريق الاستعجال وردود الأفعال، بينما الدبلوماسية العُمانية اختارت طريق العقل، متخذةً من الحياد الإيجابي بوصلة لا تحيد عن الواقعية السياسية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z