البحرين على مفترق طرق: الحرب والصمود ومآلات الاقتصاد بعد النزاع

 

عبدالنبي الشعلة **

طلب مني رئيس تحرير مجلة (الهند اليوم India Today) الهندية، الواسعة الانتشار، أن أساهم بمقال باللغة الإنجليزية وموجه للقارئ الهندي، للنشر ضمن ملف خاص ستصدره المجلة حول الحرب التي دارت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مع التركيز على تداعيات هذه الحرب على مملكة البحرين من المنظور الآني والمستقبلي، فكان هذا المقال الذي نشر اليوم في المجلة المذكورة:

خرجت منطقة الخليج العربي لتوّها من واحدة من أخطر مراحلها منذ عقود، بعد إعلان وقفٍ لإطلاق النار، أوقف- ولو مؤقتًا- دوامة تصعيد خطيرة شاركت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. ورغم أن أصوات السلاح قد خفتت، فإن آثار الحرب لم تتبدد؛ بل تركت بصماتها العميقة، ليس فقط على خرائط الصراع، وإنما على تفاصيل الحياة اليومية في دول كانت تُعد حتى وقت قريب بعيدة نسبيًا عن تماسّ المواجهة المباشرة. والبحرين واحدة من هذه الدول التي تجد نفسها اليوم أمام مزيج معقد من تداعيات أمنية واقتصادية لا يمكن تجاهلها.

لقد حمل إعلان وقف إطلاق النار قدرًا من الارتياح الفوري، لكنه في الوقت ذاته كشف عن هشاشة بعض التوازنات التي كانت تبدو مستقرة. ففي البحرين، كما في بقية دول الخليج، لم تقتصر تداعيات الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على المواقع العسكرية فحسب، بل امتدت لتصيب مناطق مدنية وممرات حيوية وبنى تحتية مرتبطة بالطاقة والنقل. هذا القرب غير المسبوق من دائرة الخطر خلق حالة من القلق العام، وأدخل المجتمعات في تجربة نفسية جديدة عنوانها الترقب وعدم اليقين.

اقتصاديًا، لم تكن التداعيات أقل عمقًا؛ فالاقتصاد البحريني، الذي كان يسير بخطى متدرجة نحو التعافي من آثار جائحة كورونا، ويواجه في الوقت ذاته تحديات مالية وهيكلية معروفة، وجد نفسه أمام موجة جديدة من الضغوط. فقد تأثرت توقعات النمو، وتراجعت شهية الاستثمار، وبدت حركة السوق أكثر حذرًا في ظل أجواء عدم الاستقرار.

وكان قطاع السياحة والضيافة من بين الأكثر تأثرًا؛ حيث تراجعت حركة السياحة، خاصة من دول الجوار، نتيجة التحذيرات الأمنية والمخاوف المرتبطة بالسفر. كما انعكس ذلك على أداء الفنادق والمطاعم والأنشطة الترفيهية، في مشهد يتكرر عادة في فترات التوتر الإقليمي.

أما قطاع النقل والخدمات اللوجستية، فقد تأثر بدوره بحساسية المسارات البحرية والجوية لأي اضطراب أمني؛ إذ إن مجرد التلويح بتهديد الملاحة أو المجال الجوي كفيل بإعادة توجيه الرحلات ورفع تكاليف التأمين وتأخير الشحنات، وهو ما ينعكس مباشرة على اقتصادات تعتمد، مثل البحرين، على موقعها كمركز إقليمي مفتوح ومترابط.

وفيما يتعلق بالقطاع المالي، الذي يُعد أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، فقد أظهر قدرًا من الصلابة، لكنه لم يكن بمنأى عن تأثيرات القلق العام؛ فحركة رؤوس الأموال بطبيعتها تبحث عن الاستقرار، وأي اهتزاز- وإن كان مؤقتًا- يؤدي إلى زيادة الحذر في القرارات الاستثمارية.

ومع ذلك، فإن النظر إلى المشهد من زاوية المخاطر وحدها يظل قراءة ناقصة. فقد راكمت البحرين، عبر عقود، خبرة لا يُستهان بها في التعامل مع التحديات الاقتصادية؛ سواء من خلال سياسات التنويع، أو إدارة الضغوط المالية، أو بناء شراكات إقليمية فاعلة. وهذه الخبرة قد تتحول اليوم إلى عنصر قوة حقيقي في مرحلة ما بعد الأزمة.

ومن المتوقع أن تستعيد بعض القطاعات عافيتها بوتيرة أسرع من غيرها، خصوصًا تلك المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والخدمات المالية والتقنيات الحديثة، وهي مجالات استثمرت فيها البحرين مبكرًا. كما أن القطاع الصناعي، وفي مقدمته صناعة الألمنيوم، يظل مرتبطًا بسلاسل إمداد عالمية تمنحه قدرة على التعافي رغم التقلبات المرحلية.

إنَّ وقف إطلاق النار- على هشاشته- يفتح نافذة مهمة لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية؛ فالمرحلة القادمة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد عودة إلى ما قبل الأزمة؛ بل كفرصة لتسريع الإصلاحات وتعزيز عناصر الصمود الاقتصادي. وسيكون من الطبيعي أن تتجه السياسات نحو تنويع أكبر في مصادر الدخل، وتعزيز أمن الطاقة، والاستثمار في بنى تحتية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الصدمات.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز البُعد الاجتماعي، لا سيما في ظل وجود جالية وافدة كبيرة ونشطة، تتقدمها الجالية الهندية التي لعبت- ولا تزال- دورًا محوريًا في مسيرة التنمية في البحرين. وقد تأثرت هذه الجاليات، كما غيرها، بأجواء التوتر؛ سواء من حيث الشعور بالأمان أو الاستقرار الوظيفي أو تحويلات الدخل. إلّا أن التزام البحرين بالاستقرار المجتمعي وسيادة القانون ساهم في احتواء هذه المخاوف، والحفاظ على استمرارية الخدمات والأنشطة الاقتصادية.

كما أن العلاقات البحرينية- الهندية، الممتدة عبر قرون من التبادل التجاري والتواصل الثقافي، تظل عنصرًا داعمًا للاستقرار؛ فهذه العلاقة لا تقوم على ظرف عابر؛ بل على مصالح متبادلة وتكامل اقتصادي يجعلها قادرة على تجاوز التحديات الظرفية.

يبقى السؤال الجوهري في هذه المرحلة: ليس هل ستتعافى البحرين؛ بل كيف ستُعيد تموضعها في مرحلة ما بعد الحرب؟ والإجابة على هذا السؤال ترتبط بعوامل عدة، من بينها مدى صمود وقف إطلاق النار، وطبيعة البيئة الإقليمية في الفترة المقبلة، وكفاءة السياسات الاقتصادية المحلية في استيعاب الدروس المستخلصة.

ثمَّة ما يدعو إلى التفاؤل؛ فالمنطقة، بما فيها البحرين، لا تواجه هذه التحديات منفردة؛ بل ضمن إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي أثبت مرارًا قدرته على توفير مظلة دعم اقتصادي وسياسي عند الأزمات. ومن المرجح أن تلعب المقاربات الجماعية دورًا مُهمًا في تعزيز الاستقرار خلال المرحلة المقبلة.

وفي الوقت ذاته، فإن ما كشفته هذه الأزمة من ثغرات وتحديات سيُعيد تشكيل التفكير في السياسات المستقبلية؛ فالتوازن بين الانفتاح والمرونة، وبين الاندماج والاعتماد الذاتي، وبين النمو والاستقرار، سيصبح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

إنَّ وقف إطلاق النار لا يمثل نهاية بقدر ما يمثل بداية مرحلة جديدة. والاختبار الحقيقي يكمن في كيفية استثمار هذه اللحظة: هل ستكون هدنة عابرة تسبق جولة أخرى من التوتر، أم فرصة لتأسيس مسار أكثر استقرارًا وتوازنًا؟

في هذا المفترق، تملك البحرين من عناصر القوة- في مرونتها، ومؤسساتها، وتماسك مجتمعها- ما يؤهلها ليس فقط للتعافي؛ بل للمساهمة في صياغة ملامح مرحلة خليجية جديدة، أكثر وعيًا بالتحديات، وأكثر استعدادًا لمواجهتها.

** كاتب بحريني

الأكثر قراءة

z