حمد الحضرمي **
"نحن لا نستسلم... ننتصر أو نموت" ليست مجرد كلمات وشعارات أو عبارة خالدة قالها شيخ المجاهدين عمر المختار؛ بل هي عقيدة الشعوب التي ترفض الذل والمهانة، وتختار العزة والكرامة، للدفاع عن الوطن، ولو كان الثمن التضحية بالأرواح، وتُترجم هذه المواقف في ميادين المواجهة حين تضيق الخيارات وتُحاصر الأوطان من الاعداء.
إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست مجرد دولة... إنها حضارة عمرها آلاف السنين، أرض الفرس، مهد العلوم والفنون والفلسفة، شاهدة على تاريخ الإنسانية منذ الإمبراطوريات القديمة، وهي ليست دولة حديثة تأسست منذ عدة سنوات، ليس لها جذور تاريخية، فهل يعقل أن تهدد دولة حديثة، دولة لها جذور تاريخية تمتد لآلاف السنين، إنه إهانة للتاريخ وللإنسانية كلها.
واليوم، يعيد الشعب الإيراني وجيشه كتابة هذه العبارة، لا بالحبر، بل بالصمود. طوال ثمانية وثلاثون يوم من القصف المتواصل بالطائرات والصواريخ، من قوة عسكرية تُعد من الأعظم في العالم-أمريكا وإسرائيل- ومع ذلك لم تنكسر الإرادة، ولم تُرفع الرايات البيضاء. بل وقف شعبٌ بأكمله، وجيشٌ بعقيدة، ليقول للعالم: إن من يدافع عن أرضه لا يُهزم، وإن اختلال ميزان القوة لا يعني سقوط الحق.
لقد راهن المعتدون على الحسم السريع، وعلى إخضاع الإرادة قبل الأرض، لكنهم فوجئوا بصلابة لا تُقاس بالعدة والعتاد، بل بالإيمان والانتماء. فكانت النتيجة عكس ما خططوا له: صمود أربك الحسابات، ومقاومة فرضت واقعًا جديدًا، حتى اضطرت القوى المعتدية إلى القبول بهدنة، لم تكن خيار قوة بقدر ما كانت اعترافًا ضمنيًا بأن إرادة الشعوب لا تُقصف.
هذه الهدنة، التي جاءت بوساطة باكستانية حكيمة، لم تكن مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، بل كانت صمام أمان لمنطقة بأكملها. لقد جنّبت الخليج وشعوبه ويلات حربٍ كانت ستلتهم الأخضر واليابس، وتفتح أبواب الفوضى على مصراعيها. وهنا يبرز دور العقل حين ينتصر على الجنون، ودور الحكمة حين تُطفئ نار الغرور العسكري.
إن ما حدث لم يكن شأنًا إيرانيًا فحسب، بل درسًا لكل دول المنطقة، وخاصة دول الخليج، التي وجدت نفسها على حافة الخطر دون أن تكون طرفًا فيه. لقد أثبتت الأحداث أن الأمن لا يُجزأ، وأن نار الحروب إذا اشتعلت لن تقف عند حدود أحد، بل تمتد لتبتلع الجميع بلا استثناء.
ومن هنا، فإن الرسالة الأهم اليوم ليست فقط الإشادة بالصمود، بل الدعوة إلى الوعي. الوعي بأن المرحلة لا تحتمل التفرق، وأن التحديات أكبر من أن تواجهها دولة منفردة. إن وحدة الصف الخليجي، وتعزيز التكامل العسكري والأمني، لم تعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة وتقلباتها.
كما أن الحكمة تقتضي إدارة الأزمات بعقل بارد، بعيدًا عن الانجرار وراء الاستفزازات أو الحسابات الضيقة. فالقوة ليست فقط في السلاح، بل في حسن التقدير، وفي القدرة على تجنب المعارك غير الضرورية، دون التفريط في السيادة أو الكرامة.
لقد أثبت الشعب الإيراني، في هذه المواجهة، أن من يمتلك الإرادة يمتلك القدرة على الصمود، وأن الدفاع عن الوطن ليس خيارًا؛ بل قدر. كما أثبتت الوساطة الباكستانية أن العالم لا يزال فيه صوت عقل قادر على إيقاف النزيف حين تعجز البنادق.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تتغير: أن الأوطان لا يحميها إلا أبناؤها، وأن الشعوب التي ترفض الاستسلام، لا تُهزم؛ بل تنتصر، أو تموت واقفة شامخة كالأشجار، لا تنحني حتى في السقوط.
** محامٍ
