إياكم والخلاف.. فالخلاف مفسدة!

 

 

 

 

صبري الموجي

 

صعبٌ أن نتفق على ما لم يرد فيه نصٌ من كتابٍ أو سنّة، لهذا فلم يَزد قولُ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في حقّ من خرجوا عليه في معركة الجمل على عبارة: «إخوانُنا بغوا علينا»، دون أن يصفهم بالشرك، ولا النفاق، أو ينفي عنهم الإسلام، ولكنه نفى عنهم الإيمان أو كماله.

ولا غرو فإنّ عبارةَ الإمام علي -رضي الله عنه- أكبرُ دليل على حرص الإسلام على الألفة والجماعة، أمّا التشرذمُ والفرقة وتبديعُ المسلمين بعضهم بعضًا، بل وتكفيرهم بعضهم بعضًا، إن دل على شيء، فإنما يدلّ على عوار الفكر، وقصور الفهم.

وبعيدًا عن التعصب والتشنج، أقول: إن كان جائزًا أن يُخطِّئ بعضُنا بعضًا في أمور العقيدة، وما كان قطعيَّ الثبوت، ما دام قد توافر الدليلُ على خطأ المُخالِف، وعُلِم مناطُ النصّ ومقصدُه، وغيرها من القواعد الأصولية، فإنَّه لا يجوز تخطيئةُ بعضنا في الأمور المُختلَف فيها، واتهامُ المخالِف بالكفر حتى وإن كان رأيُه مرجوحًا.

والسبب فيما أقول هو أنَّ وحدة المسلمين من أهمّ مقاصد الشرع، التي أمر الله بها في غير موضع من كتابه العزيز كقوله سبحانه: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، كما حضَّ عليها نبيُّه في أحاديث كثيرة منها: (مثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائرُ الأعضاء بالحمى والسهر).

والمقصود أنّه لا بد ألَّا يُصادِر أحدٌ رأي أحد، وألا يُبدِع أحدٌ أحدا، ومن باب أولى ألا يُكفِّر فريقٌ الفريق المخالف، بل لا بد أن نُوسع دائرة الحوار، ونؤصّل لقاعدة النقاش؛ بُغيةَ التعلم لا التعالُم، دون تنازع ولا تجريح، وأن نُنصتَ لصوتِ العلم: «فالحكمةُ ضالةُ المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقُ الناس بها».

من صورِ الخلاف غير المُبرر، التي كثُرت ويكثر الخوضُ فيها، مسألةُ الاحتفال بمولد النَّبي، وهل هو جائزٌ أم غيرُ جائز؟

والجواب أنَّ الاحتفال بمولد النّبيّ جائزٌ طوال العام، وليس في الثاني عشر من ربيع الأول فقط، وإذا كان الاحتفالُ جائزًا، فإن طريقةَ الاحتفال المُتّبعة حاليا، والتي يكثُر فيها الاختلاطُ والصّخب، وتُرتكبُ فيها المحرماتُ والفواحش، كما يحدث في الموالد، وحلقات الذكر البدعي، هي المحرمة قطعًا، أمّا الاحتفالُ الحقيقي، فيكون بإحياء سنته، واتباع أوامره، وتلاوة القرآن، الذي يُعدُّ معجزة النّبي الخالدة، والبرهان الساطع على صدق نبوته.

الاحتفال يكون بتوحيد الصف، وبثّ روح الانتماء لبلدنا، والعمل على رفعتها ونهضتها، والبعد عما يهوي بالمتناحرين إلى أسفل سافلين.

ومن الخلافات أيضا «زكاة الفطر»، التي تكون آخر رمضان من كلّ عام، وهل هي نقود أم حبوب؟

والمسألة فيها راجحٌ، وهو إخراجُها حبوبا، ومرجوحٌ وهو إخراجها نقودا، والرأي الأول عمل به كثيرون، والثاني عمل به غيرُهم، فلكلٍّ سندُه ودليله، دون أن يُكفّر البعضُ الآخر، أو يُفسّقه. وبمراجعة نصوص الفريقين، أقول لك عزيزي القارئ: «استفت قلبك وإن أفتوك»، المهمُّ أن تُخرِج صدقتك رحمة بالفقراء، الذين يفتّشون في صناديق القُمامة عن كسرة خبز تقيم أودهم.

ومن الخلافات أيضا صيغةُ التكبير أيام العيد، وهل يُصلى فيها على النّبي أم لا؟

وباختصار نقول وردت الصيغتان، ولكنَّ الأرجحَ صيغة عدم الصلاة، أما الصيغة الثانية، والتي يُصلى فيها على النّبي وآله، وردتْ عقب معارك النصر لبيان عزة الإسلام، وتأكيد تأييد المولي لعباده أتباع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبرغم أنها مرجوحة إلا أنَّ لأصحابها سندًا ودليلًا مُعتبرًا.

وأخيرا أقول.. إنَّ عمرَ الإنسان قصير، وفي الشرع فاضلٌ ومفضول، وراجحٌ ومرجوح، وقويٌ وضعيف؛ فحريٌ بالعاقل أن يحرصَ على الفاضل والراجح، ويترك المفضولَ والمرجوح ليُحصِّلَ الثوابَ الكبير بالعمل القليل، ويكونُ هذا بالعلم، وليس باللغط، وشتم بعضنا بعضا، كما رأيتُ وأرى بيننا ما يُعكِّر المزاج، ويجعل الحليم غضبانًا!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z