الأمن القومي العُماني من النظرية إلى التطبيق

 

 

 

"المواطنون شركاء لا رعايا" كلمة السر في الأمن القومي العُماني

الذاكرة الحضاريّة للإمبراطوريّة العُمانية صمام أمان

تشبُّث العُمانيّ بهُويته جدار حماية من الذوبان في ثقافة الآخر

الأمن هو التنمية وليس مراكمة السلاح ولا القوة العسكرية الغاشمة

 

ناصر أبوعون

تعيش سلطنة عُمان حالة إيجابية من الأمن القومي، منقطعة النظير في محيطها الإقليمي والعربي والعالمي؛ حيث تشهد مناخًا من التفاهم المتوازن في سائر القطاعات الاقتصادية والعسكرية والأخلاقية والفكرية، وكلها تتعاون -بصورة صارت راسخة في الهُويّة الوطنيّة الجامعة- من أجل إنجاز غاية واحدة ومحددة، ألا وهي حماية النظام الأساسي للدولة وتطبيقاته وصون المكتسبات وحماية ما تحقق من منجزات الموجة الأولى من نهضة عُمان الحديثة (النهضة المباركة في الحُقبة القابوسيّة)، وما يجري من تحديث وإضافات نوعية في الموجة الثانية من عملية الاستنهاض والتحديث والمعاصرة في عهد "النهضة المتجدّدة/ الحقبة الهيثميّة".

 

مرتكزات الأمن القومي العُمانيّ

لكن هناك رُزنامة من الأسباب تشابكت جميعها، وتفاعلت في إنتاج حالة فريدة من "الأمن القومي" لا مثيل لها في الأقطار الأخرى خليجيًّا وعربيًّا، يمكن سردها وفي مقدمتها:

  1. الذاكرة الحضاريّة عن تاريخ الإمبراطوريّة العُمانية القديمة، والتي تنتقل من جيل إلى جيل عبر الذاكرة الشعبيّة الحيّة والتي لا يخبو نورها، ولا تخمد جذوتها الوطنيّة وتُسهم المناهج التعليميّة في رسوخها.
  2. التشبث بالهُوِيّة الوطنيّة والخوف الصحي من الذوبان في ثقافة الآخر القادم من خارج حدود الثقافة العربيّة أو التمثّل به والسير في ركابه تحت دعوى اللحاق بركب الحداثة.
  3. الاستمساك بالسَمت العُماني الأصيل في العادات والتقاليد واللهجات المحليّة والقوانين المرعيّة غير المكتوبة والمتوارثة، والإيمان بأنّ القبيلة هي المحور المركزيّ وعمود خيمة الدولة.
  4. شيوع العدالة والمساواة بين ظهراني المواطنين والسّكان لا نظير لها في أقطار أخرى.
  5. الاحتكام والانصياع لسلطة القانون والموثوقيّة العالية بالسلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة.
  6. الأخذ بفلسفة التدرج الهادئ عند القيام بأيّ عملية تغيير تقتضيها الضرورة.

 

الأمن القومي يعني التنمية

واللافت للأنظار في الشعب العُمانيّ إيمانه بموروثه الدينيّ، وتمسكّه بتراثه العربيّ، وتشبثه بتاريخه المشرّف، ومعرفته بمقدّرات وطنه ورصيده من الثروات الطبيعيّة، وإلمامه بعناصر ثرواته؛ لذا لا يسير وراء كل ما يُلمع، ويُعرِض بوجهه عن رؤوس الأموال التي تلوح من خلف أسيجة الحدود تبيع الوهم لغيره وتَعِده بالمن والسلوى.

ومن خلال استقراء الخطابات السامية في الموجتين المتتاليتين من النهضة العُمانية (المباركة والمتجددة)، نتوصل إلى نتيجة مفادها أن التنمية المستدامة والشاملة -وإن كانت متدرجة وغير متسارعة- تُشكِّل أحد أجنحة الأمن الوطني والقوى الفاعلة في حركة الاستقرار المجتمعي والإنمائي في الفكر السلطانيّ، وحجر الزاوية في عملية البناء التراكميّ للدولة العُمانية العصرية الحديثة ودولة المؤسسات، والتي سارت منذ انطلاقها في هذا الاتجاه تدريجيًّا منذ عام 1970.

وبتتبع الخطابات السامية، والتي توالت طيلة نصف قرنٍ ونيفٍ يمكننا استنباط الرؤية المتكاملة لمفهوم "التنمية الشاملة"، وأنّ المواطن العُمانيّ هو أداتها وصانعُها، وهي ليست غايته الكبرى، وإنما مجرد وسيلة من أجل بناء الإنسان. ونعثر على هذا المعنى أكثر تجسيدًا في خطابات المقام السامي مصحوبًا بدعوة إلى السير قدمًا في جميع مسارات هذه التنمية دون التوقف عند مفهوم تراكم الثروة أو التنويع الاقتصادي؛ بل عليها أن تتعدى ذلك إلى تكوين المواطن القادر على الإسهام بجدارة ووعي في مسيرة النماء والبناء الشامل.

وانطلاقًا من الرؤية السامية حول مفهوم التنمية والتي تُحيلنا إلى "وصفة ماكنمارا"؛ حيث الأمن يعني التنمية، والتأكيد على أنّ "الأمن ليس هو تراكم السلاح/ بالرغم من أن ذلك قد يكون جزاءً منه، والأمن ليس هو القوة العسكرية بالرغم من أنه قد يشتمل عليها، والأمن ليس هو النشاط العسكري التقليديّ بالرغم من أنه قد يحتوي عليه". وخلاصة الوصفة: بدون التنمية لا مجال للحديث عن الأمن.

وكان من نتيجة الإيمان بهذه الرؤية أن أصدر السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيَّب الله ثراه- مرسومًا ساميًا برقم (102/2010) يقضي بإلغاء محكمة أمن الدولة، مع التأكيد مُسبقًا على دور الأمن العسكري في حماية مكتسبات النهضة، وهو ما أشار إليه -رحمه الله- في الخطاب السامي بمناسبة العيد الوطني التاسع والعشرين بقوله: "إن اعتزازنا بقواتنا المسلحة وكافة أجهزة الأمن نابع من تقديرنا لدورهم العظيم في حماية منجزات النهضة المباركة وصيانة مكتسبات الوطن".

وبناءً على هذه الرؤية كان المواطنون العُمانيون شركاء لا رعايا؛ وهي صورة على نقيض ما نطالعه من صور في العديد من الأقطار حول العالم؛ حيث تتفنن السلطوية والنخبوية في صنع الحواجز الوهمية بين الحكام وشعوبهم.

 

نظرية الأمن القومي العُماني

وبتحليل المبادئ السياسية التي تقوم عليها فلسفة الحكم والأمن في سلطنة عُمان، يتضح أن السياسة الخارجية كانت انعكاسًا أمينًا للسياسة الداخلية ويساندهما انفتاح على المواطن وتحطيم للأسيجة السميكة بينه وبين السلطة التنفيذيّة؛ سواء كانت أسيجة نفسية أو مصطنعة أوكلاهما معًا وهذا التوجّه لا وجود له في عُمان.

ويمكن الإشارة إلى هذا التوجُّه الذي صار أنموذجًا يُحتذى بما حدث بعد حرب الخليج الثالثة عام 2003، ومحاولة دول مجلس التعاون إعادة النظر في النظام الأمني للإقليم ومحاولة البحث عن نموذج واقعيّ ليكون سياجًا منيعًا من انجرار دوله نحو مستنقع المغامرات السياسيّة، إلا أنّ قراءة الواقع كشفت عن النموذج الأمنيّ العُمانيّ بتركيبته السكانية والاجتماعية تحت عنوانه العريض: "العُمانيون مواطنون لا رعايا"، وهو النموذج الذي يمكن الوثوق به والاطمئنان إليه والاقتداء به.

وفي الأخير يبقى القول إنَّ بناء الأمم واستنهاض الشعوب يستلزم رؤية مستقبلية تستلهم التاريخ، وتنهل من التراث وتنتقد الحاضر، وتستشرف الآتي، وتسعى لاستنفار الهِمم، وترشيد موجة النزيف الأعمى للموارد الاقتصادية التي اجتاحت غالبية دول العالم. وفي سلطنة عُمان تأكد أنه من الممكن تجنُّب ما يسمى "هدر الموارد" وأهمها المورد الإنسانيّ عصب التنمية والعمود الفقريّ في نظرية الأمن القوميّ. والخروج من هذه الأزمة العاصفة -أزمة هدر الموارد- التي أصابت الكثير من دول الرفاه وفي القلب منها الدول النفطية الغنيّة بمواردها الطبيعية لن يكون إلّا من خلال سنّ قوانين، واتخاذ تدابير حكم رشيدة صالحة مبنية على الشفافية والمساءلة على نحو ما حدث في سلطنة عُمان.

الأكثر قراءة

z