عباس الزدجالي
في زمنٍ كان يُفترض فيه أن تُدار أعقد الأزمات الدولية بعقلانية المؤسسات وثقل الدولة العميقة، يطلّ دونالد ترامب مجددًا بخطابٍ يختصر العالم في معادلة بسيطة: إمّا أن تستجيبوا… أو نُدمّر ما تقوم عليه حياتكم. هكذا، وبعبارات لا تخلو من الابتذال والاستعراض، تحوّل تهديده الأخير لإيران إلى ما يشبه بيانًا صادرًا عن "زعيم مجموعة ضغط" أكثر منه رئيسًا لدولة تُقدَّم للعالم بوصفها نموذج الديمقراطية المؤسسية. فالمعادلة التي طرحها لا تحتاج إلى كثير من التأويل: افتحوا مضيق هرمز فورًا، أو سنستهدف الكهرباء والجسور. وبالترجمة الواقعية: إن لم تنصاعوا، سنُطفئ النور ونقطع الطريق.
وقد لخّص ترامب هذا التهديد في منشور له على منصة "تروث سوشال" قال فيه: "سيكون يوم الثلاثاء يوم محطات الكهرباء ويوم الجسور، كل ذلك في يوم واحد داخل إيران. لن يكون هناك شيء مثله أبدًا! افتحوا المضيق اللعين أيها الأوغاد المجانين… وإلا ستعيشون في الجحيم، فقط شاهدوا!".
المفارقة أن هذا النوع من الخطاب لا يكتفي بتجاوز الأعراف الدبلوماسية، بل يتجاوز أيضًا الخطوط القانونية التي طالما قدّمتها واشنطن نفسها كمرجعية أخلاقية في الحروب. فحين تصبح البنية التحتية المدنية هدفًا مُعلنًا، نحن لا نتحدث عن "أضرار جانبية" في ساحة قتال، بل عن نية مباشرة لضرب مقومات الحياة اليومية لملايين البشر. الكهرباء ليست هدفًا عسكريًا تقليديًا، والجسور ليست مواقع إطلاق صواريخ، ومع ذلك تُوضع على قائمة الاستهداف وكأنها أوراق تفاوض تُحرق واحدة تلو الأخرى. وهنا تتقاطع السخرية مع القلق: هل هذه سياسة دولة عظمى، أم أسلوب ضغط أقرب إلى "اكسر لتُجبر"؟
ما يزيد المشهد غرابة هو التقلّب اللافت في النبرة والاتجاه. ففي يومٍ ما يُعلن ترامب أنه لا يريد حربًا، وفي اليوم التالي يتوعد بإعادة إيران إلى "العصر الحجري"، ثم يعود ليطرح شروطًا تفاوضية بلغة أقرب إلى أوامر عاجلة. هذا التذبذب لا يعكس فقط غياب الاتساق، بل يوحي بأن القرار ذاته يُدار بمنطق ردّ الفعل اللحظي، لا ضمن استراتيجية متماسكة. وكأن السياسة الخارجية تُكتب على عجل، بين تغريدة وأخرى، وبين تصفيق جمهور داخلي قلق ومحاولة فرض هيبة خارجية تتآكل.
وفي خلفية هذا المشهد، يبرز سؤال لا يُطرح بصوتٍ عالٍ لكنه حاضر بقوة: لمن تُدار بوصلة هذا التصعيد؟ فعندما تتطابق الأهداف والوتيرة والتوقيت مع أولويات طرف آخر في المنطقة، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت الحسابات خالصة لواشنطن، أم أنها جزء من معادلة أوسع تتداخل فيها مصالح حلفاء يدفعون باتجاه استمرار المواجهة حتى أقصى مدى ممكن. ليس المطلوب هنا إطلاق أحكام جاهزة، بل قراءة المشهد كما هو: انسجام كامل في الاتجاه، يقابله غموض في الكلفة النهائية ومن سيتحملها.
أما مضيق هرمز، الذي كان لعقود مجرد ممرٍ بحري حساس، فقد تحوّل اليوم إلى منصة اختبار لإرادات مُتصادِمة. إيران تستخدمه كورقة ضغط جيوسياسية، فيما تتعامل معه واشنطن بوصفه "خطًا أحمر" يجب فتحه بالقوة أو بالتهديد. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن أي محاولة لكسر هذه المعادلة بالقوة لن تبقى محصورة في حدود المضيق، بل ستنعكس فورًا على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، لترتد آثارها إلى المستهلك الأمريكي نفسه قبل غيره. وهنا تتجلى المفارقة الساخرة: سياسة يُفترض أنها لحماية المصالح الأمريكية، قد تنتهي بإرباك تلك المصالح من الداخل.
اللافت أيضًا أن هذا الخطاب لم يمر بهدوء داخل الولايات المتحدة؛ فثمَّة أصوات سياسية وإعلامية وقانونية بدأت تطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذا التصعيد وطبيعته. ليس فقط بسبب اللغة المستخدمة، التي بدت بعيدة عن تقاليد الرئاسة؛ بل أيضًا بسبب مضمون التهديد نفسه. فاستهداف منشآت مدنية، حتى لو قُدّم في إطار الضغط، يفتح الباب أمام اتهامات قانونية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها بسهولة، خصوصًا في بيئة دولية أصبحت أكثر حساسية تجاه قضايا القانون الإنساني.
ولعلها ساعات فقط تفصل العالم عن التحول من التهديد إلى الفعل؛ ليكون الجميع شهود عيان على ما قد يُصنَّف كواحد من أخطر فصول استهداف البنية المدنية في تاريخ الصراعات الحديثة، بما قد ينتهي بدمار واسع لإيران كما توعّد ترامب صراحة. عندها لن يكون الحديث عن "تصعيد" أو "ردع"، بل عن سقوط مدوٍ لما تبقى من هيبة القانون الدولي، وانزلاق النظام العالمي إلى مشهد أقرب إلى غابة متوحشة، حيث تُدار العلاقات بالقوة المجردة، وتُكتب القواعد بلهجة التهديد، وتُنفّذ بوقع الصواريخ.
في المحصلة.. لا يبدو أن ما نشهده مجرد حلقة عابرة من التصعيد؛ بل نمطًا متكررًا يقوم على رفع السقف إلى أقصى حد، ثم ترك العالم يتعامل مع تداعياته. وبين خطابٍ يُقدَّم على أنه استعراض قوة، وواقعٍ يكشف تعقيدات أكبر بكثير من الشعارات، تبرز صورة قيادة تتصرف أحيانًا وكأنها في مفاوضات صفقة، لا في إدارة نظام دولي شديد الحساسية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: عندما تتحول السياسة إلى عرض، والتهديد إلى أداة يومية، يصبح السؤال ليس كيف ستنتهي الأزمة؛ بل كم سيدفع العالم ثمن هذا الأسلوب قبل أن تنتهي؟!
