د. مجدي العفيفي
(1)
شكرًا ليس لأنك استثناء؛ بل لأنك كنت القاعدة حين قررت أن تتكلم بلا قناع. شكرًا لأنك لم تتعب نفسك في تلميع الإمبراطورية، بل عرضتها كما هي: خشنة، صريحة، ومجرّدة من لغة "القيم".
شكرًا لأنك أسقطت القناع، فلسنوات طويلة كانت أمريكا تُقدّم حروبها على أنها "حروب ضرورة": محاربة الإرهاب.. منع أسلحة الدمار الشامل.. نشر الديمقراطية!
لكن العراق كان الشاهد الذي لا يموت. لا أسلحة دمار شامل، ودولة تفككت، ومجتمع دُفع إلى الفوضى، وملايين دفعوا الثمن. لم تكن تلك لحظة خطأ.. بل لحظة كشف.
وأنت، يا ترامب، لم تحاول حتى تجميل الرواية.. جئت بلغة الصفقة، لا المبادئ، فصار العالم يرى بوضوح: السياسة ليست أخلاقًا.. بل مصالح تُدار بقوة.
(2)
شكرًا لأنك عرّيت "المساعدات"
كم مرة قيل لنا إن المساعدات الإنسانية هي وجه الرحمة؟ وكم مرة اكتشفنا أنها وجه آخر للنفوذ البغيض؟
المساعدات ليست بريئة دائمًا، بل كثيرًا ما تكون مشروطة: بسياسات اقتصادية، باتفاقيات، بفتح الأسواق أمام شركات عملاقة.
في عالمك، لم تعد هذه الأشياء تُقال همسًا، بل صارت تُمارس بوضوح فجّ:
خذ الدعم.. وادفع بالسيادة.
(3)
شكرًا يا رعي البقر الأمريكان.. لأنك فضحت لعبة "نشر الديمقراطية". كم دولة دُمّرت باسم الحرية؟ وكم نظام أُسقط.. لا لأنه ظالم، بل لأنه غير موالٍ؟ العراق.. أفغانستان.. نماذج لا تحتاج إلى تنظير.
الديمقراطية التي تأتي على ظهر دبابة، لا تُنجب دولة.. بل فراغًا. ومعك، لم تعد هذه التناقضات مخفية. لم تعد هناك لغة ناعمة تخفي الحديد، بل صار الحديد ظاهرًا.. بلا غطاء.
(4)
شكرًا أيها الهمجي.. لأنك أعدت تعريف الإمبريالية؛ إذ لم تعد الإمبريالية كلمة تُقال في كتب التاريخ، بل ممارسة حية: نفوذ سياسي يمتد عبر القارات، وضغط اقتصادي عبر النظام المالي العالمي، ووجود عسكري منتشر في كل زاوية تقريبًا.
لكن الأهم: أنك أعدتها إلى أصلها القديم، منطق القوة الصريحة، لا القوة المتخفية.
(5)
شكرًا يا هذا لأنك كشفت سلاح العقوبات.. العقوبات لم تعد "إجراءات قانونية"، بل أداة ضغط هائلة: تجميد أموال، شل اقتصادات، فرض عزلة. لم تعد الحرب دائمًا صواريخ؛ بل قد تكون نظام تحويلات مالية.
وهنا يظهر الوجه الحقيقي: من يملك النظام… يملك القدرة على العقاب.
(6)
شكرًا لأنك قلت ما لا يُقال.. أنت لم تخترع هذه السياسات، لكنّك قلتها بصوت عالٍ.
لم تقل "نحن نحمي العالم"؛ بل قلت ضمنيًا: "نحن نحمي مصالحنا".
وهذا، أكثر صدقًا من عقود من الخطاب المثالي.
لكن.. هنا يتوقف الشكر، لأن كشف القناع شيء، والغرق في الوحل شيء آخر.
(7)
حين تتحول السياسة إلى فجاجة كاملة، تفقد حتى قدرتها على ادعاء الأخلاق، ويصبح العالم أكثر قسوة، لا أكثر وضوحًا فقط. عن الفوضى والمعايير المزدوجة، القضية الفلسطينية مثال حي على هذا التناقض: خطاب حقوق الإنسان من جهة، وصمت أو دعم لانتهاكات من جهة أخرى.
هذه ليست حالة استثنائية، بل جزء من معادلة المصالح. لكن خطورتها في أنها تُسقط ما تبقى من مصداقية الخطاب الغربي.
عن القوة… حين تتجاوز نفسها. القوة الأمريكية حقيقية، لكن استخدامها ليس دائمًا متزنًا. حين تتحول القوة إلى أداة مفتوحة بلا ضوابط أخلاقية كافية، فإنها لا تُضعف الآخرين فقط.. بل تُضعف نفسها على المدى الطويل.
الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تتآكل حين تفقد توازنها الداخلي.
(8)
عن الأخطاء الاستراتيجية. التعامل مع قوى دولية وإقليمية معقدة (مثل إيران، الصين، روسيا) أظهر أن العالم لم يعد أحادي القطب كما كان.
الضغط الأقصى لا يؤدي دائمًا إلى الانهيار، بل قد يؤدي إلى تعقيد أكبر وصراعات أطول.
(9)
شكرًا يا راعي البقر ترامب؛ لأنك لم تكن استثناءً؛ بل مرآة.. مرآة أظهرت أن الشعارات شيء والمصالح شيء آخر. والأخلاق غالبًا.. آخر ما يُستدعى!
لكن الحقيقة الأهم: المشكلة ليست في رجل، بل في نظام دولي كامل يسمح بذلك، ويكافئه أحيانًا.
(10)
شكرًا.. لأنك كشفت، لكن الكشف وحده لا يكفي.
العالم لا يحتاج فقط إلى من يفضح الأقنعة، بل إلى من يعيد تعريف القوة نفسها: ليس كقدرة على الهيمنة… بل كقدرة على العدل.
وحتى يحدث ذلك، سيظل "راعي البقر" يبدل اسمه، لكن البندقية، تبقى هي.. هي!
