صراع النظرية والتطبيق في صناعة الأجيال (2- 7)

 

 

 

 

د. عبدالله بن سليمان المفرجي

بعد أن وقفنا بالبحث والتحليل على واقع الطالب المعلم، معلم المستقبل والمؤمل منه تطوير منظومة التعليم وتخليصه من آفات العصر وتداعياتها، فلكل عصر أدواته ووسائله، وهمومه ومشاكله، حينها قد تبين لنا أن بعض كليات التربية تستقبل مدخلات قد تكون واهنة وتخرجها بمناهج نظرية وتدريب عملي هزيل لا يمس حاجة الحقل التربوي ولا يغطي متطلبات المواقف التعليمية، ينتقل بنا البحث إلى مستوى آخر أكثر إيلامًا وأشد تعقيدًا وأبلغ عمقًا: ألا وهو مستوى بعض أعضاء هيئة التدريس في تلك الكليات.

وهيئة التدريس تُعد القلب النابض والمحرك اللامع لأي مؤسسة تعليمية، والمرجع الذي يُفترض فيه أن يكون قدوة علمية وأخلاقية وتربوية؛ حيث إن عضو هيئة التدريس قائد التطوير في مسرح الحقل التربوي، والذي من المؤمل فيه أن يكون جامعًا بين النظرية والتطبيق بفكره الرائد وسلوكه المتقد. غير أن الممارسة تكشف لنا عن مفارقة عظمى: فبعض ممن يتولون إعداد المعلمين كثيرًا ما يكونون أبعد الناس عن الميدان الحقيقي، وأجهل الناس بواقع الفصول الدراسية ومشاكلها وتداعياتها.

ومن أغرب المفارقات أن يتولى تكوين المعلمين أفئدة لم تذق غبار المدرسة، وأفهام لم تعان صخب الفصول، وأقلام لم ترَ واقع التعليم الحقيقي في أروقته الميدانية، فالدكتور الجامعي قد يقضي عقودًا في تحصيل الشهادات دون أن يخوض غمار التدريس في المدارس ولو يومًا واحدًا، يظل أسير نظرياته في أبراجه العاجية، يضع حلولًا لمشكلات لم يعشها، ويخرج معلمين لم يجالسهم في فصولهم ولم يعش معاناتهم. وقد أشار فيجوتسكي إلى أهمية "منطقة النمو القريبة" التي يتعلم فيها المتعلم من خلال تفاعله مع من هم أكثر خبرة (Vygotsky, 2021, p. 86)، فكيف لمن ليس له خبرة ميدانية أن ينقلها لطلابه؟ "فاقد الشيء لا يعطيه". هنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يُعهد بتكوين المعلمين إلى بعض ممن لم يمارس التعليم في الميدان العملي، فيخرج جيل يحفظ النظريات، لكنه إذا واجه واقع الفصل ومواقف التعليم تاه. فكيف لمن لم يعان مشقة ضبط الصف أن يعلّم غيره فنون الضبط وأساليبه؟ وكيف لمن لم يُصغِ لهموم طالب متعثر أن يوجّه معلمًا إلى كيفية مساعدة المتعثرين ذوي صعوبات التعلم؟ وفي هذا يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: "من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه" (الغزالي، ص 156). وهذا ما تشير إليه بعض الأدبيات التربوية إلى أن التدرّج في اكتساب الخبرة شرطٌ أساسي لتحقيق الكفاءة، وأن التسرّع في تحمّل الأدوار قبل اكتمال المهارات قد يؤدي إلى ضعف الأداء وسوء التقدير، وهو ما تؤكده نماذج اكتساب الخبرة والتطور المهني، إضافة إلى دراسات التحيز المعرفي المرتبطة بتقدير الذات (Patricia Benner, 1984؛ David Dunning & Justin Kruger, 1999).

ثم إن بعض هؤلاء الأساتذة، حتى ممن قضى سنوات في المدارس، سرعان ما يبتعدون عن الميدان، وتمر السنون وهم منقطعون عن مدارس التعليم العام وقوانينها ولوائحها، لا يزورونها، ولا يتابعون مستجداتها، ولا يعرفون عن هموم معلميها شيئًا. وفي أثناء ذلك تتغير المناهج، وتتطور طرق التدريس، وتتبدل خصائص الطلاب ومستوياتهم، وهم في مكانهم جامدون، يدرسون نفس الموضوعات لسنوات عديدة بنفس الطرق التي تعلموها منذ عقود ماضية. وفي ذلك فقد حذّر المفكر التربوي دونالد شون من مخاطر "الممارس الأكاديمي" الذي ينفصل عن الواقع، ودعا إلى نموذج "الممارس المتأمل" الذي يربط بين النظرية والتطبيق في حوار دائم مع الواقع (Schön, 2023, p. 49). وقد أظهرت دراسة أن الانخراط الفعّال لأعضاء هيئة التدريس في كليات التربية ضمن شراكات مستمرة مع المدارس يسهم في تحسين جودة إعداد المعلمين، حيث توفر هذه الشراكات بيئات تدريب عملي أصيلة تعزز الكفاءة المهنية والتطبيقية للمعلمين تحت الإعداد (International Journal of Educational Research, 2026; Hadar et al., 2025).

ويزداد الوضع سوءًا مع عزوف بعض المتميزين من حملة شهادات الدكتوراه عن العمل في بعض كليات التربية، بسبب تدني الحوافز المادية وكثرة الأعباء الروتينية المملة. فإذا كانت كليات الطب تتنافس على أفضل الأطباء، وكليات الهندسة تغري بالمتميزين من المهندسين، فإن بعض كليات التربية كثيرًا ما تضطر إلى قبول بعض ممن تبقى من حملة الشهادات، بغض النظر عن كفاءتهم أو خبرتهم الميدانية. وهكذا تتوالى حلقات الضعف: ضعف في اختيار أعضاء هيئة التدريس يؤدي إلى ضعف في إعداد المعلمين، وضعف في إعداد المعلمين يؤدي إلى ضعف في مخرجات التعليم العام، وهذا الضعف بدوره يغذي كليات التربية بطلاب أضعف، وهكذا دواليك.

ثم إن غياب برامج التطوير المهني المستمر لأعضاء هيئة التدريس في كليات التربية يعد كارثة بحد ذاتها. ففي الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة التطور التربوي في العالم، وتظهر نظريات جديدة، وتقنيات متطورة، وأساليب تدريس مبتكرة، يظل كثير من أساتذة كليات التربية محبوسين في قوقعة الماضي، لا يتابعون جديدًا، ولا يطلعون على بحث علمي عميق، ولا يحضرون مؤتمرًا، ولا يشاركون في ورشة عمل، وهم بذلك لا يتخلفون عن ركب التطور فحسب، بل يصبحون عائقًا أمام تطور غيرهم. وقد أكد روجر بيكون أن إهمال الرياضيات يُضعف بنية المعرفة الإنسانية، حيث لا يمكن فهم العلوم الأخرى دون إتقانها، مما يعكس دورها المحوري في بناء الحكمة العلمية (Bacon, as cited in Boyer, 1968). ونحن نقول: "الجهل بمستجدات التربية وتطوراتها يفقدك كل الحكمة التربوية".

والطامة الكبرى أن المجتمع برمته، وأولياء الأمور على وجه الخصوص، يسهمون في هذه الأزمة الماثلة من حيث يدركون أو لا يدركون. فالنظرة الاجتماعية لمهنة التعليم في عالمنا العربي أضحت في أدنى مستوياتها، المعلم الذي كان يحظى باحترام يفوق احترام الوالدين، ويقف له الناس إجلالًا وإكرامًا، وقد أضحى اليوم موظفًا عاديًا، بل كثيرًا ما يُنظر إليه نظرة شفقة أو استعلاء. وفي البيوت، لم يعد أولياء الأمور يحفزون أبناءهم على احترام المعلم أو التقدير لدوره، بل على العكس قد يسمعون أبناءهم وهم ينتقدون المعلمين ويتهمونهم بالتقصير دون أن يحركوا ساكنًا، فهم لا ينبسون شفة، كالغيم المظلم قبل المطر، يحملون الكلام في صدورهم، لكنهم لا يطلقونه، فصمتهم أضحى مثل البحيرة الراكدة، لا يثيرها نسيم ولا يهزها صوت، فكل شيء يختفي خلف وجههم الهادئ، وكل العيون تتحدث، وكل القلوب تنبض إلا هم، فهم لا ينبسون شفة، بيد أن كلماتهم سيوف تُلصق بالأسماء، ولا تتردد في الأفق تحدث صخبًا، وقد قيل قديمًا: "من كان معلمه أباه فمعلمه الناس أبوه"، فكيف إذا كان الأب نفسه لا يقدر المعلم ولا يدافع عنه ولو بكلمة؟

هنا نكون بهذا التحليل قد كشفنا عن جانب آخر من جوانب الأزمة الماثلة في التعليم، التي تتطلب إعادة تصميم النظم التعليمية لتكون أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية، حيث تؤكد بعض التقارير الدولية أهمية تطوير مهارات القرن الحادي والعشرين وتعزيز التعلم المرن لمواجهة التحديات المستقبلية (OECD, 2020; World Bank, 2021)، الأمر الذي يتطلب العمل على إصلاح لا يقل خطرًا عن سابقه، بل ربما يكون أخطر لأنه يتعلق بمن يُفترض فيهم أنهم قادة الإصلاح والتغيير في الحقل التربوي. فانفصال أستاذ التربية عن الميدان يشبه انفصال طبيب الجراحة عن غرفة العمليات، فهو يفقده حسه المهني الوظيفي، وتجف ينابيع المعرفة الحية التي لا تنبع إلا من الاحتكاك بالواقع العملي. وما أبلغ قول الفارابي: "المعلم الحكيم هو من يجمع بين النظر والعمل، فإن غاب العمل بقي النظر هباء". فإذا كان أستاذ التربية لا يؤمن بأن الميدان هو معمله الحقيقي، فكيف لطلابه أن يؤمنوا بذلك؟!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z