رؤية نقدية في فوضى سوق التحليل التلفزيوني

 

 

 

د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **

 

يشهد سوق التحليل التلفزيوني اليوم سباقًا محمومًا بين القنوات العالمية والمحلية لاستقطاب أسماء لامعة في ميادين السياسة والاقتصاد والرياضة والعسكرية والمجتمع. سباق يُفترض أن ينعكس على جودة المحتوى، لكنه- للمفارقة- كشف هشاشة هذا القطاع وعمق أزمته. فالمتلقي المتابع يكتشف سريعًا أن كثيرًا من هؤلاء "المحللين" لا يمتلكون الحد الأدنى من أدوات التحليل، لا منهجًا ولا معرفة، بل ولا حتى قدرة على الحفاظ على الحياد الذي يُفترض أن يلازم من يتصدر المشهد بوصفه خبيرًا ومتخصصًا.

المأزق لا يتوقف عند ضعف المهارات؛ فبعض المحللين يعانون من فجوات ضخمة في المعرفة التاريخية والجغرافية والقانونية، وهي أساسيات لا يمكن الولوج إلى عالم التحليل من دونها. ومع ذلك، يستمر تقديمهم للجمهور بوصفهم مراجع فكرية وخبراء في أمور الشأن العام، ما يعكس حالة الاستسهال التي باتت سمة في كثير من القنوات والبرامج التلفزيونية.

ورغم أن القنوات تزعم أنها تسعى إلى طرح جميع الآراء، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك. فقد أصبحت بعض المؤسسات الإعلامية تعتمد على قائمة ثابتة من المحللين الذين يتماهون مع توجهها التحريري، ليُفرضوا على المشاهد فرضًا في كل نشرة وكل برنامج وفي كل موسم، حتى بات ظهورهم أكثر اعتيادًا من الخبر ذاته. في الوقت ذاته، نشهد تشكّل "شِلليَّة" إعلامية واضحة؛ إذ يستضيف بعض مقدمي البرامج زملاءهم وأصدقاءهم باستمرار، ويستبعدون أي صوت مختلف وإن كان أكثر تخصصًا ودراية، ضاربين عرض الحائط بمعايير المهنية والتنوع.

هذه الفوضى المفتوحة على كل الاحتمالات أنتجت نمطًا جديدًا من البرامج، لا يمكن وصفه إلا بالهزلي. فبدل التحليل الرصين المترابط، تُقدَّم على الشاشات مشاجرات كلامية أو استعراضات انفعالية، تختلط فيها أماني المحلل الشخصية مع الوقائع، ويغيب فيها المنطق لصالح الإثارة. والأسوأ من ذلك، أن غياب الرقابة على مؤهلات المحللين جعل بعضهم يناقض نفسه من حلقة إلى أخرى، دون أن يجد من يحاسبه أو يراجع كفاءته.

لقد تحوّل السوق إلى مساحة لعرض "البضاعة الكاسدة"، كما يصفها كثير من المتابعين؛ حيث تتسيد الآراء الشاذة، وتُسَوَّق التحليلات السطحية بوصفها قراءة معمقة. وفي غمرة ذلك، يظل المشاهد هو الخاسر الأكبر الذي فَقَدَ ثقته في بعض القنوات، وابتعد عن العديد من البرامج التي فقدت جمهورها بسبب تدني مستوى الضيوف ورداءة الطرح.

إنَّ إصلاح هذا الواقع لا يتطلب معجزة، بل يحتاج إلى إرادة إعلامية صادقة وميثاق شرف مهني واضح. فلا بُد أن تشترط القنوات سيرة ذاتية رصينة لكل من يظهر كمحلل على شاشتها، وأن تشارك هذه السيرة مع الجمهور من باب الشفافية، ولمنع المتسلقين الذين لا تتجاوز مصادر معرفتهم رسائل منصات التواصل الاجتماعي.

وعلى الجهات الرقابية أن تكون أكثر حضورًا، للتدخل عند أي انحراف مهني يُسهم في نشر الفوضى والجهل والخزعبلات تحت غطاء التحليل؛ حيث إن ترك هذا القطاع سدى لمعدي ومقدمي برامج غير مؤهلين يعني خسارة أكبر للوعي العام، والانحدار بمستوى الخطاب الإعلامي إلى قاع لا يليق بالمشهد الإعلامي الحديث.

** باحث أكاديمي

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z