إسماعيل بن شهاب البلوشي
قد يظن القارئ لأول وهلة أن العنوان أعلاه يحمل خطأً إملائيًا، غير أنه ليس كذلك على الإطلاق. فـ"مي ورد" ليست زلة قلم، بل هي تعبير حيّ من لهجة عريقة يتوارثها أبناء الجبل الأخضر جيلًا بعد جيل، لهجة تختزن في مفرداتها ذاكرة المكان، وتفاصيل الحياة، وروح الإنسان الذي عاش على تلك السفوح العالية متصالحًا مع الطبيعة ومؤمنًا بقيمها.
في الجبل الأخضر، خصوصية الكلمات لا يعرفها أهل المدن، بل إنها تُقطّر كما يُقطّر الورد ذاته. حين يتحدث أحدهم عن "مي ورد"، فهو لا يقصد مجرد ماء مُعطّر، بل يشير إلى رحلة كاملة تبدأ من الأرض، مرورًا بالإنسان، وانتهاءً بالروح. إنها كلمة تختصر حكاية موسم، وحكاية تعب، وحكاية عشقٍ قديم بين الإنسان وزهرته.
وموسم تقطير الورد في الجبل الأخضر ليس حدثًا عابرًا، بل هو تظاهرة ثقافية واقتصادية واجتماعية في آنٍ واحد. مع بداية الربيع، تتفتح الورود على المدرجات الزراعية، وكأن الجبل يبتسم بلونٍ ورديّ ناعم. تمتد هذه البسمة عبر القرى، وتتحول إلى ورشة عمل مفتوحة، حيث يجتمع الكبار والصغار في طقسٍ جماعي يعكس روح التعاون والتكافل.
في ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تشتد حرارة الشمس، يبدأ قطاف الورد. أو بعبارة أجمل، فتك الورد. تُجمع الأزهار بعناية، لأن كل بتلة تحمل قيمة، وكل رائحة تختزن جودة المنتج النهائي. بعدها تبدأ رحلة التقطير التقليدية، باستخدام أدوات نحاسية وفخارية، وأسماء لا يتسع المكان لذكرها جميعًا، لكنها تحمل في تصميمها خبرة قرون طويلة. النار هادئة، والماء يغلي برفق، والبخار يصعد حاملًا روح الورد، ليعود قطراتٍ نقية تُعرف بـ"مي ورد".
وهنا تكمن الحكاية الحقيقية. فـ"مي ورد" العُمانية ليست مجرد منتج، بل هي هوية. في عالمٍ امتلأ بالمنتجات الصناعية والمكررة، يظل ما يخرج من الجبل الأخضر محتفظًا بصدقه. هناك نكهة مختلفة، ورائحة أكثر عمقًا، ولمسة لا يمكن تقليدها. قد يعتقد البعض أننا حين نتحدث عن جودة منتجاتنا نُبالغ أو نُجمّل الصورة، ولكن الحقيقة أن ما تمتلكه عُمان في هذا المجال يتجاوز الوصف.
وليس الورد وحده هو ما يميز هذه الأرض. فالفواكه، والعسل، وحتى اللحوم، تحمل بصمة عُمانية واضحة. إنها نتيجة طبيعة نقية، وبيئة غير ملوثة، وإنسان لا يزال يحافظ على طرق الإنتاج التقليدية التي تضمن الجودة قبل الكمية. هنا، لا تُقاس القيمة بالكثرة، بل بالأصالة.
اللافت في موسم الورد أيضًا هو تلك اللغة الخاصة التي تصاحبه. عبارات مثل "برد الورد" تحمل جمالًا لغويًا لا يُترجم بسهولة. إنها ليست مجرد وصف لبرودة الطقس، بل تعبير عن حالة شعورية يعيشها أهل الجبل، حيث يمتزج البرد بعطر الورد، ليصنعا معًا إحساسًا فريدًا لا يُدرك إلا لمن عاش التجربة.
وعندما نقول إن تقطير الورد يخاطب العقول الراقية، فنحن لا نقصد التمييز، بل نشير إلى أن هذا الفن يحتاج إلى ذوق خاص، وإلى قدرة على تقدير التفاصيل الصغيرة. فليس كل من يرى الوردة يدرك قيمتها، وليس كل من يشم العطر يفهم قصته. هناك فرق بين الاستهلاك والتذوق، بين الاستخدام والإحساس.
إن الجبل الأخضر اليوم لا يقدم لنا منتجًا فحسب، بل يقدم درسًا في كيفية الحفاظ على الهوية وسط عالم سريع التغير. يقدم نموذجًا لكيف يمكن للتقاليد أن تتحول إلى قيمة اقتصادية دون أن تفقد روحها. ويؤكد أن البساطة، حين تكون أصيلة، قد تتفوق على أعقد الصناعات.
"مي ورد" ليست كلمة، بل رسالة. رسالة تقول إن في هذه الأرض ما يستحق أن يُروى، وأن يُحكى، وأن يُفخر به. رسالة تُذكرنا بأن الجمال لا يُصنع دائمًا في المصانع، بل قد يولد في صمت الجبال، وبين أيادي أناسٍ بسطاء، لكنهم عظماء بما يحملونه من إرث.
وفي زمنٍ يبحث فيه العالم عن التميز، ربما يكون سر التميز الحقيقي هو أن نكون كما نحن… أصيلين، صادقين، ونفوح عطرًا يشبهنا ويمثل هويتنا الراسخة، فمرحبًا بكم جميعًا من داخل الوطن وخارجه لنعيش أيامًا برائحة الورد قصيدةً ورسالةً.
