ماجد بن علي الهادي
"الطبيعة تنتصر للنوع ضد الفرد، والعقل ينتصر للفرد ضد الطبيعة، هذا هو سبب خصام العقل والطبيعة".. إبراهيم الكوني.
*****
العلم المعرفي لا يحيد عن المسار العقلي المبني من قوالب الاجتهاد، ولا يمكنه تحييد المسار. العلم المعرفي لا يركن إلى كسل التشبع، ولا يرنو البتة إلى تكتيف العقل؛ فكلاهما ينتهجان ذات المسلك، وكلاهما يمتزجان في التشكيل المعلوماتي لينهلا ما لذ لهما وطاب من المعلومات.
وما يقوم بدور المثبط عادةً الاعتلال النفسي المتراكم فوقه الكثير والكثير من الأحاسيس المزيفة. المشاعر التي تحسبها النفس بأنها البوصلة التي ستدلها على ابتهاج التميز، لكنها في الحقيقة ما هي إلا ظلال ضرائب تُدفع من المحيط المجتمعي، تُدفع بطرق مختلفة وعلى مراحل متنوعة. سنعي ذلك ونستسلم له بالكيفية التي تريدنا فيها دوامة الخوف، سندرك ذلك وستطوقنا إرهاصات الهواجس من كل حدب وصوب. سنحاول التحصن بالمعرفة والعلم والتثقيف، وسننجح في مرحلة بل مراحل. ولا نرانا إلّا وقد اعترانا ذات الهاجس وذات الخوف وذات التقهقر وذات الاهتزاز في الثقة. هل هي لذة التعذيب الفكري؟ أم هي المسلمة الطبيعية التي أرادت لنا الحياة أن نسلكها شئنا أم أبينا؟ على كل، مهما تكن معطيات الطمأنة فستبقى أسوار الخوف من مجهول النتيجة هي السائدة، وسيبقى المسار هو ذاته الذي تتسابق عليه كل العقول، وتتنافس فيه كل الأفكار. ولا يُكتب النجاح والنجاة من قوقعة الصراع النفسي العقلي إلا لمن لزم منهج المسار (المتغير وفق الظروف والأحوال الفكرية العقلية المتقلبة).
هذا المتغير في الأساس ليس سوى معطيات أخرى من عقل آخر حاول جزافًا فيما مضى أن يفوز في سباق المعرفة والتميز. ونحن عندما نتصفح كتابًا علميًا معرفيًا مشبعًا بالمعرفة والمعلومات، نضع في اعتبارنا أن اجتهادات الكاتب أو المؤلف أو المترجم قد امتزجت بالتأكيد بالحالة النفسية المحيطة بجدار عقله وعقل من استُنبطت منه تلك المعارف والمعلومات؛ حيث إن لم يكن هناك منهج واضح، ومسار مثبت للمعرفة، وأرضية راسخة للمعلومة المستقاة، فستتخلل الاجتهادات مزاج آخر معرفة مُتقوْلَبة بمعنى الاجتهاد، ومُتعنوِنة بإطار المطابقة الفضلى.
هذه المطابقة قد فضلها العقل تلقائيًا وهو يتعمق في جذور المعنى؛ فعندما ننتقي كلمة دون الكلمات الأخرى المشابهة فمعنى ذلك أن عقلنا فضلها كمطابقة فُضلى، وبيّنها للنفس بأنها جزء لا يتجزأ من الاجتهاد الشخصي. فهل بين المطابقة الفُضلى والاجتهاد الشخصي مسار عقلي واحد وهوية فكرية معينة متعارف عليها؟
نعم. قد يكون ذلك صحيحًا، ولكن الاجتهاد الشخصي لا يقف عند مسار واحد محدد كما أنه لا يؤمن أحيانًا بوجود ما يسمى بالمطابقة الفضلى، وإلا لما صار اجتهادًا.
في الحقيقة، ما يتسبب في بناء الأسوار حول هامة العقول وجدار المعرفة هو وقوفنا على ذات القالب المعرفي، هو كتم أنفاس السعي تحت غطاء الخوف من الفشل، كل ذلك وغيره يجعلنا راضخين بما يسمى بالقناعة العلمية المزيفة.
العلم يا صاح ليس له حدود، العلم والثقافة مشرعة الأبواب، لا تنتظر منك إبراز بطاقة هويتك أو لونك أو جنسك. ولا تجعل نفسك مستسلمة بزيف "أنا وصلت إلى مرحلة من العلم والثقافة لم يصلها غيري!!". فلتتباهَ بعلمك ومعرفتك وثقافتك، هذا لا ضير منه، خاصة في علم النفس، فهذا ما يسمى مكافأة النفس للنفس، تجعلها تجتهد في التميز والإبداع أكثر وأكثر. لكن الحدود هنا لا تتنافى أبدًا مع القول بأن للعلم أبوابًا مشرعة وآفاقًا لا محدودة، تبتسم لكل من يسعى لفتح أبواب لم يفتحها أحد من قبل.
العلم المعرفي والمسار العقلي طريق واحد تميزت على جوانبه شتى الاجتهادات، وتفاضلت حوله الكثير من المطابقات الفضلى من أجل التميز والإبداع. المسار العقلي والعلمي المعرفي دائمًا سيظلان الروح الملهمة للنفس الساعية بقوة إلى صنع الابتكار، ورسم هوية التميز بكل اقتدار؛ لتبقى الهوية مرفرفة في السماء بانتظار من ينافسها لزرع المطابقة الفضلى لمعنى الثقافة الراقية.
