حقوق الإنسان في سلطنة عُمان.. الفكرة والتطور

 

سعود بن عبد العزيز المهري **

تكمُن قوة النصوص القانونية دائمًا في قدرتها على تغير الواقع المُجتمعي وذلك بالنهوض به نحو الرقي والتحضر، مع المحافظة على موروثاته المستمدة من الدين الإسلامي وقيم المجتمع، لذلك فإنَّ ما تشهده سلطنة عُمان حاليًا من تطور تشريعي في مجالات حقوق الإنسان ينعكس أثره على الممارسة العملية الداخلية وتفاعل عُمان مع المجتمع الدولي.

وقد تدرج التشريع الوطني فى هذا الشأن فالمرسوم السلطاني رقم (47/2026م) بإعادة تنظيم اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان، لا يمكن قراءته بمعزل عن التشريعات التي سبقته إذ يعتبر حلقة متقدمة في بناء منظومة قانونية تستند إلى مبادى الشريعة الإسلامية برؤية وطنية توازن بين الأصالة العُمانية ومواكبة التشريعات الدولية.

فهذا النهج في التطور تعود جذوره إلى المرسوم السلطاني رقم (124/2008) بإنشاء لجنة لحقوق الإنسان وتحديد اختصاصاتها، وهو القانون الذي أسس اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان كلبنة في هذا المضمار لمتابعة أوضاع حقوق الإنسان في البلاد إلى جانب نشر الثقافة القانونية والوعي الشعبي بها بالإضافة إلى تقديم المشورة لجهات الاختصاص، وقد نصَّت المادة (7) من المرسوم السلطاني (124/2008) على اختصاصات كونت النواة الأولى لمنظومة متخصصة في القانون الإنساني.

ووفاءً للتفاعل الدولي مع الالتزامات الحقوقية الحديثة صدر المرسوم السلطاني رقم (57/2022) بإعادة تنظيم اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان ليمنحها اختصاصات ودور أكبر وذلك بإقرار شخصيتها الاعتبارية المستقلة وتوسيع مهامها لتشمل الإسهام في إعداد الاستراتيجيات ومتابعة تنفيذها مع الجهات المختصة بجانب التنسيق مع المحافل الدولية وتقديم التوصيات بشأن الاتفاقيات الإقليمية والدولية؛ حيث نصت المادة (11) على 10 اختصاصات بتوسع يعد الأكبر بالنظر للمرسوم السابق، ومن هنا بدأت اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان في التحول من دور الرصد والمتابعة إلى المشاركة في وضع السياسات وصناعة القرارات، إلّا أن النقلة الكبرى برزت بصدور المرسوم السلطاني رقم (47/2026م) بإعادة تنظيم اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان، حيث لم يكتفِ المرسوم بتأكيد استقلالية اللجنة بل مكنها من الحضور الميداني الفاعل بزيارة السجون وأماكن الحجز، وذلك بإعلان المؤسسات ذات الصلة أو بدون إعلانها وبالتالي تتمكن اللجنة من الوقوف بنفسها على الواقع العملي كما أفرد لها المرسوم دورًا مُهمًا في تلقي الشكاوى ودراستها ومتابعتها مما يجعلها وسيلة تواصل بين الأفراد والجهات المعنية ويعكس انتقالها الى دور فاعل في المتابعة والمعالجة؛ حيث انتقلت اللجنة من دورها التقليدي في الرقابة الى دور مؤسسي يجمع بين الرصد والرقابة والتأثير التشريعي وهذا يتأكد بشكل واضح في توسعة اختصاصات اللجنة بنص المادة (16) من المرسوم السلطاني الأخير والذي أفرد أحد عشر اختصاصاً بخلاف المراسيم السلطانية السابقة.

كما ألزم المرسوم السلطاني رقم (47/2026) جهات الاختصاص بتزويد اللجنة بالبيانات والمعلومات اللازمة للقيام بواجباتها، الأمر الذي يرفع من كفاءة عملها ويؤكد استقلاليتها، فقد قصر كذلك حق التصويت داخل اللجنة على ممثلي المجتمع المدني دون ممثلي الحكومة مما يرسخ لاستقلال اللجنة ويجعلها أكثر مهنية في قراراتها بعيدًا عن القبضة الإدارية، حيث يتكامل هذا التطور التشريعي لمنظومة حقوق الانسان مع النظام الاساسي للدولة الذي وضع الاساس لهذه المنظومة متمثلًا في العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وصون الحياة الشخصية مما يمنح المنظومة الحقوقية مشروعيتها في ممارسة اختصاصاتها المنصوص عليها في المرسوم السلطاني رقم (47/2026).

وعلى الصعيد الدولي لمنظومة حقوق الإنسان أوكل المرسوم الى اللجنة اختصاص متابعة الالتزامات الدولية وإعداد التقارير مع الجهات المختصة وتزداد هذه الاختصاصات أهمية بعد انضمام سلطنة عُمان الى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بموجب المرسوم السلطاني رقم (89/2025).

صفوة القول.. إن اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان أضحت جهة فاعلة في مجال حقوق الإنسان بصدور المرسوم السلطاني رقم (47/2026) الذي منحها اختصاصات تقوم على الرصد الميداني والمتابعة والمعالجة والتأثير التشريعي، وبذلك تساهم اللجنة في تطوير التشريع الوطني والدولي وتتواصل مع المجتمع المحلي والعالمي وهي مرحلة متقدمة تؤكد اهتمام المشرع العُماني بحقوق الإنسان وأدوات حمايتها ورعايتها.

** محامٍ

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z