عقبة "الياسمين".. بين المطرقة اللوجستية وسندان السلامة المرورية

 

 

 

ناصر بن سلطان العموري

nasser.alamoori@gmail.com

 

الحادث الأليم الذي شهدته "عقبة الياسمين" مؤخرًا، وراح ضحيته ثلاثة من شباب الوطن، لا يمكن قراءته بمعزل عن سلسلة المآسي المتكررة التي جعلت من هذا الطريق الجبلي الحيوي، الواصل بين نيابة قيرون حيرتي وولاية صلالة، مسرحًا لنزيف أرواحٍ غالية، وهو ما يضع الأداء الفني والرقابي للجهات المعنية تحت مجهر النقد.

لم تكن الفاجعة الأخيرة مجرد خبر عابر على مواقع التواصل الاجتماعي؛ بل كانت كابوسًا حزينًا أصاب كل أسرة عُمانية تستشعر خطر ذلك الطريق الجبلي؛ فهذه العقبة التي تلبس حلة الجمال والضباب صيفًا وسط تضاريس قاسية ومناخ متقلب، سواء كان ذلك في فصل الخريف حيث الرذاذ والرؤية المنعدمة أو في الأيام العادية، باتت تخفي خلف رذاذها كابوسًا لوجستيًا مرعبًا يضع الأداء الرقابي والفني للجهات المعنية تحت مجهر المساءلة الوطنية والمهنية.

وهو ما يثير التساؤل عن سبب تأخُّر الاهتمام بهذا الشارع الخطر في ظل النهضة التطويرية التي تشهدها محافظة ظفار عبر منظومة الطرق؛ إذ لم تعُد "المُسكِّنات المرورية" والحلول التشغيلية المؤقَّتة قادرة على لجم خطر الشاحنات الثقيلة التي تتقاسم مسارًا ضيقًا ومنحدرًا حادًا مع المركبات الصغيرة في صراع غير متكافئ، خاصةً وأن زاوية الانحدار الشديدة في عقبة الياسمين ترفع درجة حرارة المكابح لمستويات حرجة قد تؤدي لفقدان السيطرة التام؛ مما يمثل فجوة رقابية تسببت في إهلاك البنية التحتية، وهو ما يتضاعف خطره مع وجود شاحنات متهالكة قديمة يعتمد أغلبها على قطع غيار "هشة" مجهولة المصدر لا تصمد أمام وعورة المنحدرات.

ولعل مِنَّا من تساءل عن وزن حمولة الشاحنات السالكة لعقبة الياسمين والتي تتجاوز المعايير الهندسية لتصل إلى 40 طنًا، في ظل غياب الموازين الإلكترونية الذكية (WIM) التي تضبط الوزن أثناء الحركة وتمنع المتجاوزين من عبور هذا المسار الوعر. والمتأمل يتساءل بمرارة عن سبب غياب الصرامة في تفعيل المسارات البديلة، وعدم إلزام الشاحنات بسلوك الطريق البديل (حجيف- عقبة قفطوت) المتجه مباشرة لمنطقة ريسوت الصناعية، وهو الحل الذي كان من المفترض أن يفكك هذا الاشتباك القاتل منذ سنوات.

إنَّ الحلول الواقعية التي تُناسب بيئتنا الجغرافية والاجتماعية تتمثل في إنشاء "منصات تبريد إجبارية" في قمة الجبل تُلزم المركبات الثقيلة بالتوقف لضمان سلامة منظومات الكبح، مع تدشين "مسارات الهروب الرملية (Truck Escape Ramps)" التي تُعد الملاذ الهندسي الأخير لاحتواء الشاحنات فاقدة السيطرة، وتحديد أوزان لا تتعدى 30 طنًا لهذا الطريق الجبلي أسوة بالمعايير العالمية.

ومع هذه الخطوات، يبقى مشروع "النفق الجبلي" هو الحُلم الاستراتيجي الذي لا يقبل التأجيل لتجاوز مخاطر الضباب الكثيف وحوادث الشاحنات المُميتة لضمان أمن مستخدمي الطريق وتدفُّق السلع بعيدًا عن "مقصلة المنحدرات".

إنَّ دماء أبناء الوطن التي سُفكت على أسفلت الياسمين، تفرض علينا تقديم الأمان البشري على أي تكلفة مادية وتسريع وتيرة الإجراءات لتحويل هذا الطريق من ساحة للفجيعة والتوجس إلى شريان أمان يعكس وجه عُمان الحضاري والنهضوي، فليس من المقبول أن يظل المواطن يُقاد بخوف وهلع في طريق وطني ينتظر قرارًا جريئًا ينهي كابوس الموت المُتربِّص بكل عابر.

الأكثر قراءة

z