ريم الحامدية
في مساء أمس، وبعد أن وضعتُ النقطة الأخيرة في سطر مهام عملي الشاقة، اتجهتُ نحو نافذتي؛ تلك الثغرة الوحيدة التي أُشرعها كل ليلة لأهرب من كل شيء، وأستقبل نفحة هواءٍ عابرة، كأنها تأتي من زمنٍ آخر غير الذي أعيشه.
وبينما كان الهواء يتسلل بنسماتٍ عليلة، وقع نظري على الطاولة المقابلة.. هناك، كان يستلقي كتابٌ بدأته في سكون ليالي رمضان. أتذكر بوضوح شغف البداية، وكيف التهمتُ 100 صفحة منه بشغف، قبل أن يسرقني الوقت وأتوقف. حملته بين يديّ، تلمستُ غلافه، وفتحتُ الصفحة التي توقفتُ عندها، لكن شيئًا غريبًا حدث: لم أستطع قراءة كلمة واحدة.
لم تكن الكلمات هي المعضلة، بل كانت "المسافة" التي نمت بيني وبين الشخص الذي كنته حين فتحتُ هذا الكتاب لأول مرة، شعرتُ حينها بوطأة السؤال: لماذا نترك خلفنا كل تلك الطرق غير المكتملة؟ لِمَ تمتلئ حياتنا بمشاريع مبتورة، وهوايات صامتة، وكتب توقفت عقارب زمنها عند الصفحة مئة؟
لأستدرك بأننا نعيش في عصر "النتائج"، ثقافة تُقدّس الذي يصل، وتصفق لمن ينهي السباق، وتعتبر أي "نصف طريق" هو مرادف للفشل أو ضعف الإرادة. هذه البرمجة جعلت من أشيائنا غير المكتملة "أشباحًا" تطاردنا بالذنب. ذاك الاشتراك في النادي الرياضي الذي لم تحضره سوى يومين، وتلك الآلة الموسيقية التي اشتريتها لتتعلمها وصارت الآن قطعة ديكور، بل حتى تلك المحادثات التي توقفت في منتصف الطريق.. كلها تحولت في أذهاننا إلى تُهم تُثبت أننا "مشتتون".
لكن، ماذا لو نظرنا للأمر بمنظور آخر؟ ماذا لو كانت هذه البدايات المبتورة هي في الحقيقة دليلًا على حيويتنا؟
الحقيقة هي أننا نترك الأشياء لأننا "تغيرنا". الكتاب الذي ناسب وعيك قبل أشهر قد لا يلامس روحك اليوم، وهذا ليس فشلًا في القراءة، بل هو نمو في الذات، إن توقفك عن إكمال شيء ما هو في الحقيقة قرار بليغ بأن وقتك الحالي أثمن من أن تضيعه في شيء لم يعد يشبهك.
نحن لسنا مجبرين على استيطان كل أرض نضع أقدامنا عليها، يكفي أحيانًا أننا كنا نملك الفضول الكافي لنكون "مستكشفين".
أن تبدأ في تعلم الرسم ثم تتوقف، لا يعني أنك فشلت في أن تكون رسامًا، بل يعني أنك نجحت في تجربة إحساس الإمساك بالريشة، وهذا بحد ذاته مكسب وتجربة أُضيفت لرصيدك الإنساني.
هذه المشاريع المبتورة هي "رسائل حب" من نسخنا القديمة، تخبرنا أننا كنا نملك الجرأة لنجرب، ونملك الحماس لنبدأ، الحياة في نظري أقصر من أن نقضيها في إكمال أشياء لم تعد تمنحنا الدهشة، فقط لكي لا يُقال عنا إننا لم نكمل الطريق.
الجمال لا يكمن دائمًا في النهايات.. أحيانًا، يكمن الجمال كله في تلك الـ100 صفحة الأولى، في الأسبوع الأول من ممارسة الهواية، في شرارة الفكرة قبل أن تتحول إلى روتين ممل.
ختامًا.. يا صديقي، تصالح مع "مقبرة بداياتك"، انظر إلى ذلك الكتاب الذي توقفت في منتصفه، وتلك الهواية التي هجرتها، بامتنان لا بأسف. أنت لست مجموعة من النهايات الناجحة، أنت حصيلة كل تلك المحاولات، مكتملة كانت أم لا. المهم أنك حيّ بما يكفي لتبدأ من جديد، وفي كل مرة تترك فيها شيئًا في منتصف الطريق، تذكر أنك فقط تفسح مكانًا لشيء آخر يلامس من أنت عليه "الآن".
