حمد الحضرمي
تقف اليوم جامعة الدول العربية في قفص الاتهام، لا كضحية لمؤامرات الخارج، بل كمتهمٍ أول بإهدار دورها، وتفريغ رسالتها، والتخلي عن أبسط واجباتها في لحظةٍ تاريخية لا تحتمل الصمت ولا تبرر التردد.
ففي الوقت الذي تتعرض فيه دول الخليج العربي ومعها الأردن، لتهديدات واعتداءات متصاعدة من إيران، تقف الجامعة موقف المتفرج العاجز، لا تسمع لها صوتًا، ولا يُرى لها أثر، وكأن ما يجري لا يعنيها، أو كأن أمن الدول العربية لم يعد من اختصاصها.
أي جامعةٍ هذه التي تصمت حين يجب أن تتكلم؟ وأي كيانٍ هذا الذي يغيب حين يكون الحضور واجبًا؟
إن هذا الصمت لم يعد يُفسَّر دبلوماسية، ولا يُبرر حكمة، بل هو عجزٌ فاضح، وتقاعسٌ مريب، وانسحابٌ غير معلن من ساحة المسؤولية. بل إن استمرار هذا الأداء الباهت يرقى إلى مستوى التفريط في الأمن القومي العربي، وإهدارٍ صريح لميثاقٍ أُنشئت الجامعة على أساسه.
لقد تحولت الجامعة -للأسف- من مظلةٍ للحماية السياسية، إلى عبءٍ رمزي، ومن منصةٍ لتوحيد المواقف، إلى شاهد زور على الانقسام، ومن صوتٍ يُفترض أن يُسمع، إلى صمتٍ يُثير الريبة ويبعث على الشك.
وإذا كان ميثاق الجامعة يُلزمها بالدفاع عن الدول الأعضاء وصون سيادتها، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد إخفاق عابر، بل خرقٌ جوهري لجوهر هذا الميثاق، وسقوطٌ مدوٍ في اختبار المسؤولية، فالقوانين لا تُحترم بالصمت، والمواثيق لا تُصان بالتجاهل، والمؤسسات لا تُقاس بنصوصها، بل بقدرتها على الفعل في الأزمات.
إن الأخطر من الصمت، هو ما يترتب عليه؛ إذ يفتح الباب أمام قوى إقليمية لتملأ الفراغ، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن العرب بلا مظلة سياسية حقيقية، وأن أمنهم القومي متروك للمساومات والتجاذبات، وحين تغيب الإرادة العربية، لا تتأخر الإرادات الأخرى في فرض شروطها، ولو على حساب سيادة الدول واستقرارها.
ولعل الأكثر إيلامًا، أن هذا الغياب يأتي في لحظةٍ تتطلب تماسكًا لا تراجعًا، ووحدةً لا تشتتًا، وحزمًا لا صمتًا، لكن الجامعة، بدل أن تكون في مقدمة الصفوف، اختارت أن تقف في الظل، وكأنها أعلنت -بصمتها- تنازلها عن دورها التاريخي.
إن ما يحدث اليوم لا يمكن تبريره، ولا يجب التستر عليه، بل يستدعي مساءلة صريحة: أين دور الأمين العام لجامعة الدول العربية؟ أين جامعة الدول العربية من التزاماتها؟ ومن يحاسب هذا الصمت؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الفراغ القاتل؟
إن استمرار هذا النهج لا يعني سوى أن الأمين العام للجامعة لا يقوم بدوره، وأن الجامعة لم تعد قادرة على أداء وظيفتها، وأن بقاءها بهذا الشكل ليس إلا استمرارًا لواجهة شكلية بلا مضمون، وهيكلٍ مؤسسيٍ فقد روحه، ومؤسسةٍ تسير ببطء نحو فقدان شرعيتها السياسية والمعنوية.
وإن لم تستفق الجامعة اليوم، وتُعلن موقفًا واضحًا، حازمًا، وصريحًا، يعكس الحد الأدنى من مسؤولياتها، فإنها لن تكون فقط في دائرة الاتهام… بل في دائرة السقوط. والتاريخ لا يرحم المتقاعسين، ومن لا يدافع عن الأمة، ويتخلى عن مسؤولياته وقت الشدائد والمحن، لا يستحق البقاء.
والنقد هنا لجامعة الدول العربية لا يعني الهدم، بل هو صرخة إنقاذ، للمحاسبة وإعادة البناء على أسس أكثر صلابة وفاعلية.
