سعيد بن محمد الرواحي
لم تكن المواقف السياسية العمانية في مختلف القضايا الإقليمية والدولية في يوم من الايام وليدة اللحظة، بل هي امتداد لمسار تاريخي طويل تشكلت ملامحه عبر قرون من التجربة والاستقلال في القرار.
فهي منذ أقدم العصور عرفت بخصوصيتها السياسية وقدرتها على الحفاظ على كيانها رغم تعاقب الحضارات وتبدل أنماط الحكم. وقد بقيت في مجمل تاريخها بعيدة عن الخضوع لإرادة خارجية، محافظة على استقلالها، باستثناء فترات محدودة شهدت ضعفا داخليا وانقساما مجتمعيا، استغلته قوى خارجية حينها كالبرتغال وبعض النفوذ الفارسي في السواحل.
وحتى خلال الفترات التي شهدت اتساع نفوذ الدول الإسلامية الكبرى كالأموية والعباسية والعثمانية، احتفظت عمان بقرارها السياسي المستقل مستندة إلى منظومتها الاجتماعية والفكرية التي عززت هذا النهج عبر الزمن.
ولم تشكل التحديات الداخلية من نزاعات قبلية أو فترات اي تراجع لهذا المسار، بل كانت في كثير من الأحيان دافعا لظهور قيادات وطنية أعادت ترتيب البيت الداخلي واستعادت تماسك الدولة، وقد تعاقبت على عمان أنماط حكم متعددة، بدءا من نظام الإمامة، مرورا بدول مثل دولة النباهنة ثم دولة اليعاربة، وصولا إلى الدولة البوسعيدية التي أرست دعائم الاستقرار الحديث.
هذا الامتداد التاريخي شكل ملامح السياسة العمانية المعاصرة، التي تستند إلى قراءة متأنية لمصالحها الوطنية وتتعامل مع محيطها الإقليمي والدولي بوعي واتزان. وقد تعزز هذا النهج خلال النهضة الحديثة بقيادة السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراها واستمر حضوره في عهد السلطان هيثم بن طارق حفظه الله، حيث حافظت السلطنة على موقعها كدولة تنتهج الاعتدال وتتمسك بسيادتها في صنع القرار.
ويأتي انخراط عمان في محيطها الخليجي والعربي والدولي في إطار مسؤوليتها ودورها الطبيعي، دون أن يكون ذلك على حساب ثوابتها أو مصالحها الوطنية الراسخة. فهي تدرك تعقيدات وتباينات المشهد الإقليمي، وتتعامل معه وفق تقدير دقيق يوازن بين المبادئ والمصلحة والواقع، بعيدا عن الانجرار إلى مواقف قد تخل بتوازن المنطقة أو تزيد من حدة التوتر فيها.
وما لا شك فيه أن قراءة الموقف العماني بمعزل عن هذا العمق التاريخي تفضي إلى فهم مشوش وقاصر. فالدول التي راكمت تجارب طويلة في إدارة شؤونها تمتلك أدوات خاصة في صياغة مواقفها، تستند إلى إرث من الخبرة والوعي بالتحولات، لا يمتلكه ذوي التجارب السياسية القصيرة .
خلاصة القول، فإن مواقف السلطنة تعبر عن رؤية ناضجة، تشكلت عبر مسار ممتد من الاستقلالية والاتزان، ولن يحد ذلك من حضورها الإقليمي، كعنصر فاعل فيه دون أن تتخلى عن خصوصيتها أو حقها في اتخاذ القرار الذي يخدم مصالحها الوطنية ويحفظ استقرارها.
