الشَّيخة الفقيهة حليمة بنت العلَّامة سعيد الكِنديّ

ناصر أبوعون

قال العارف بالله ابن عطاء السكندريّ:" إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ عِنْدَ اللهِ مَقَامَك؛ فَانْظُرْ أَيْنَ وفِيْمَا أَقَامَكَ"؛ ولمّا اختار الله – عزَّ وجَلَّ – النبيُّ الخاتم إلى جواره تطبيقًا لسُنَّة الله في خلقه{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}(سورة الزمر، الآية30)، وحتى لا تُبدِّل مجرياتُ الدنيا، وتقلُّباتها على المسلمين دينَهم استعملَ الله عبادًا ألقى عليهم محبته، واختصهم بتبليغ دينه؛ ليُعرِّفوا الناس بِرَبِّ الناس؛ وقفُوا عند نواهيه، وفَزِعُوا إلى مرضاتِهِ، وامتثلوا لأوامره، وعَمِلوا بالقرآن، ونذروا أنفسَهم في سبيل إعلاء كلمة الله، وتطبيقًا للأمر القرآنيّ:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}(النحل، الآية: 125).

ومَهَمَّة الدعوة إلى الله لم تكن يومًا حِكرًا على جنس الرجال؛ بل قيَّضَ الله لها ثُلَّةً من النساء العابدات التقيّات اللواتِي تربيّنَ في بيوتٍ تتحلّقها الملائكة، لِتَتَسمَّع لـ(دوِيّ) القرآن ينزِّ من حيطانها، وتتشوَّف للأحكام الفقهية تُزين سقوفها، نساء ماجدات بِعْنَ عرض الدنيا الزائل، ليربحن الآخرة، وقبضن على جمرة الدِّين والعلم أملًا في جنّة عرضها السموات والأرض.

ومن هؤلاء النِّسْوة العُمانيات اللواتي استعملهن الله الشيخة (حليمة بنت سعيد بن ناصر بن عبد الله الكِنْدِيَ 1919 - 2002)، وأمُّها الفاضلة (عِيْنَة بنت ناصر بن عامر الطائيّ)، ومن حسن الطالع أن الشيخة حليمة جمعت أواصر العلم وفَخَار النَّسب؛ فمن طرف كانت قبيلة كندة، ومن الطرف الآخر كانت قبيلة الطائيّ، وكلاهما ينتهي نسبه إلى (سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان)، وكلا القبيلتين نَذَرَت أنفُسَ ذريّاتِهم في خدمة علوم الشريعة الإسلامية وأصول الدين ونسخ الكتب والمتون، فحاز الطرفان – ولافخر- شرف تبليغ الرسالة المحمّدية بين أقطار الإمبراطورية العُمانيّة قديمًا وحواضر إفريقيا قاطبةً، وحمّلوا مسؤولية نقل متون المذهب الإباضيّ من جيلٍ إلى جيل، بما نسخوه من مخطوطات مُتداولة إلى الآن في المكتبات العامة والمجموعات الأُسْرِيّة الخاصة ومازالت آثارهم ممتدة؛ فصاحب العلم لا يموت، وقضيته لا تندثر.

وقد تبتلَتْ الشيخة حليمة بنت العلّامة سعيد بن ناصر الكِنديّ، وظلّت على عَفافها في حجر أبيها - ولم تتزوّج على الرغم من كثرة خُطّابها- تنهل من معين علومه، وتحفظ من آثار متونه في التفسير والسيرة، وتروي عنه دروسه في علوم الدين وأصوله، وتتقن بين يديه كلّ ما يتعلّق بفقه المرأةِ المسلمة، ثم تُلقيه على مسامع النساء في مجلسها، أو لِمَن يقصدنها للفُتْيَا في أمور دينهن عَمَلًا بحديث "خُذُوا نِصْفَ دِيْنِكُم من هذه الحميراءِ".

ويُحكَى من مصادر (متواترة) أَنَّ الكثير من الخطّابِ وراغبي الزواج وقفوا على باب أبيها الشيخ سعيد بن ناصر الكندِيّ طمعًا في شرف مصاهرته، والانتساب إليه، والتشرّف بذكر اسمه، وهو مرجع الفتوى ويأنس إليه سلاطين عُمان وأئمتِها فقد كان – رحمه الله- موضع ثقة الطّرفين، لايحيد عن الحق، ولايخشى في الله لومة لائم، ويذكر رواةُ التاريخ مساعيه الحميدة في توحيد كلمة الأمة العُمانيّة على سواء الصراط، ورأب الصدع الذي شقّه اختلاف القلوب، ونفث فيه شيطانُ الفُرقة بين (السلطان تيمور بن فيصل والإمام محمد بن عبد الله الخليليّ)، وكان الشيخ العلَّامة – رحمه الله - من الشهود المُعتبرين على توقيع اتفاقية "السِّيب" سنة 1339هـ.

وكانت الشيخة حليمة في ذاك الزمان كُلَّما تقدّم إلى أبيها الشيخ سعيد خاطبًا يطلب يدها للزواج، أعرضت وتمَّنعت على استحياء، وظلّت على تلك الحال حتى تخطّت العقد الثاني من عُمرها. فقال لها والدُها:"يا بُنيَّتي الشرع أمرنا بالنِّكاح، وهو من الأمور المُستحسنات للبنات، ومن طبائع البشرّ التناسل وزينة الدنيا، ولنا في جميع الأنبياء الأسوة الحسنة فمع اشتغالهم بالدعوة إلى الله ليلَ نهار إلا أنهم طلبوا من الله الذريّة الصالحة. قال الله تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}(سورة الرعد، الآية: 38). فامتثلي لأمري واقبلي الزواج ممن يقفون على بابنا؛ إلا إذا كان هناك في نفسك غرضٌ صحيح يفوق منفعة النِّكاح. فقالت يا أبتِ أنتَ أعرفُ منِّي بنفسي، والكثير يعلمون أنّ بي "عرجٌ في ساقي"، ولا أريد أن يقول الناس: "تزوجها فلان إكرامًا لأبيها". ومن البرّ بكَ أنا لا أرضى فيك هذا القول؛ فأنتَ كريمٌ عِلمًا ونسبًا، بل عند الله أكرم لتقواك، ولا أُرِيد أحدًا أن يتفضّل عَلَينا".

فلمّا توفّى الله والدها الشيخ العلامة سعيد بن ناصر الكنديّ عاشت الشيخة حليمة في كنف أخيها ناصر بن سعيد بن ناصر الكنديّ، وارتحل بها من بلدة العامرات إلى زنجبار في أوائل خمسينيات القرن العشرين، واشتغل هناك بالعلم والتجارة، ومن توافق الأقدار أنّ منزلَ زنجبار الذي سكنت فيه الشيخة حليمة بنت العلامة سعيد بن ناصر الكنديّ بصحبة أخيها كان مجاورًا لمنزل (أماني عبيد كرومي) زعيم حزب (الأفروشيرازي) المُخَطِّط للثورة وأول رئيس لجمهورية تنزانيا وقائد الانقلاب على السلطان جمشيد بن عبد الله.

وذات يوم تحدثت إحدى النساء من ذوي الأصول الأفريقية إلى الشيخة حليمة مشيرة بيدها نحو رقبتها قائلةً: "أنتم العرب بقي القليل وسنذبحكم في الشوارع والبيوت"، وسمع العبارة نفسها أخوها ناصر بن سعيد من أحد العاملين المترددين على موقع تجارته. فتدبّر الشيخ ناصر أمره، وأخذ حِذره، وحمل أخته الشيخة حليمة وما بقي معه من مال تجارته وعاد إلى عُمان، وبعد عودته مباشرةً اندلعت أعمال العنف ضد العرب في زنجبار 1964 بقيادة الأوغنديّ جون أوكيلو سكرتير الحزب الأفروشيرازي.

ومن المُدهشات بعد عودة الشيخة حليمة إلى عُمان واستقرارها في ولاية العامرات، وكانت قد عاودت نشاطها في تعليم النساء أمور دينهن والإفتاء لهن في مجلسها، جاءها ابن أخيها الشيخ إسحق بن يوسف الكنديّ بعد زيارته لجمهورية تنزانيا/ زنجبار سابقًا مؤكدًا لها استقرار الأحوال هناك، وانتهاء الحرب، وقال لها قابلت رئيس الجمهورية (أماني عبيد كرومي) وحمّلني السلام إليكِ.. فقالت مندهشةً: كيف "شِلاتي" من العوام يكون رئيس دولة؟!

وفضلا عن اشتغال الشيخة حليمة بنت العلّامة سعيد بن ناصر الكنديّ بالإفتاء والتدريس الدينيّ لنساء العامرات، وممن قصدنها من نساء سائر الولايات العُمانيّة فإنها كانت حَكّاءة للتَّاريخ العُمانيّ القديم وما عاصرته من أحداث، وتسرد أحداثها في جلساتها العائليّة، وعلى النسوة اللواتي يتردّدن على مجلسها، وتروي لهن مقتطفات من الشعر العربيّ القديم، ولكنها دأبت كثيرًا على إلقاء قصائد أخيها الأكبر سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي (أبو سلام) وخاصةً أشعاره الاستنهاضيّة وفي مقدمتها قصيدته (عُمان انهضي)، التي أنشدها على إثر أحداث انهزام جيش الإمام سالم بن راشد الخروصيّ، والتي قضى فيها نَحْبَه شهيدًا (1913-1920)، وطالت يد الاعتقال الكثير من رجاله ومنهم ثُلَّةٌ شهيرة من قبيلة الشيخ القاضي عيسى بن صالح الطائيّ، - خاصةً أولئك الذين جاهروا بتأييدهم للإمام الخروصيّ-، وكان منهم شقيقُه محمد بن صالح، وابنُ عمه علي بن ناصر، وعمُه سليمان بن عامر(الطائيين)، مُضافًا إليهم ابنُ خاله الشاعر أبي سلام سليمان بن سعيد الكندي، وإرسالهم في منفىً جماعيٍّ إلى جزيرة (سمربور) الهندية.

وحكى لي الشيخ إسحاق بن يوسف الكنديّ أنّ عمته الشيخة حليمة بنت سعيد الكنديّ كانت كثيرًا ما تترَنَّمُ بقصيدة أخيها (أبو سلام الكنديّ) التي مطلعها:[عُمان انهضي واستنهضي الشرق والغربا/ ولا تقعدي واستصحبي الصارمَ العضبا- عمان انهضي واستصرخي كلَ باسلٍ/ كميٍّ يُجيد الطعنَ والرميَ والضربا- عمان انهضي إنا رجالك همُّنا/ طلاب العلا ما نبتغي غيره كسبا]، وتثنّي بعدها بإلقاء قصيدته الشهيرة "عُمانيا" التي يقول فيها:[لهفي على الوطن العزيز أضيعا/ وشريف قوم صار فيه وضيعا - لهفي عليه لو يفيد تلهفي/ أجريت من بعد الدموع نجيعا].

يُذكر أن الأخ الأكبر من أبيها للشيخة الفقيهة حليمة بنت سعيد الكنديَ المُكنّى بـ(أبوسلام) سليمان بن سعيد بن ناصر الكنديّ تزوَّج مرتين من فتاتين من قبيلة الطائي، الأولى واسمها:(فاطمة بنت موسى بن صالح الطائيّة)، وأمّا الأخرى فاسمها (شريفة بنت صالح بن عامر الطائية)، ورزقه الله  خمسة أولاد ذكور من الفت، أربعة منهم وُلِدوا وعاشوا في نزوى؛ وهم: (سيف)، و(حمد)، و(علي) و(سلام) و(عبدالله), أمّا أخوهم الخامس (عليٌّ) فقد وُلِد في نزوى، وعاش في مدينة جوادر في (إقليم بلوشستان) على الساحل الجنوبيّ الغربيّ لجمهورية (باكستان) أيام كانت تحت الحُكم العمانيّ.

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z