فلسطين في الذاكرة العُمانيّة

ناصر أبوعون

على مسارات التاريخ المضيئة كانت عُمان منذ انبلاج فجر التاريخ الإنسانيّ والحضاريّ ومازالت تتصل بأواصر قُربى، وعُروة وثقى لا يُنقض غزلها مع فلسطين ضمير العروبة الحيّ، وإحدى الزوايا التي لا تتقوّض أضلاعها في عقيدة المسلمين، ولا يزال الأحفاد العمانيون الذين أخذوا راية الجهاد من آبائهم وأجدادهم يواصلون السير على الطريق، ولا يتنكبون الصراط المستقيم سواء أكان سياسيّا أو اجتماعيًّا أو ثقافيًّا؛ إنها ثلاثة أجنحة لا تهيض في دعم القضية الفلسطينية.

ويأتي كتاب (فلسطين في الذاكرة العمانيّة) للباحث والمُحقق والنسّابة سند المحرزيّ؛ ليفتش عما طوته الأيام، ونام في بطون المخطوطات من الصلات الحضاريّة والسياسيّة بين الشعبين العمانيّ الأبيّ الذي لا يدير خدَّه لكل باغٍ لاطم، والشعب الفلسطينيّ الذي كانت المقاومة قدره، والشهادة مُبتغاه، ووجه الله مسعاه.

ولا يزال الموقف العمانيّ صُلبًا لا يلين، وإنْ مورست عليه ضغوطٌ دولية أو إقليمية لتثنيه عن دعم القضية الفلسطينية أو تحرفه عن بوصلة ضميره الإنسانيّ؛ وليس أدلّ على ذلك من شهادة أحد الصهاينة قائلًا: "عمان محايدة في كل سياساتها إلا عندما يتعلّق الأمر بفلسطين.. فلن تكون محايدة..".

وميزة هذا الكتاب الذي عكف على جمع وثائقه الباحث سند المحرزي من كل حدب وصوب أنّه يوثّق للعلاقة التاريخية العمانية الفلسطينية من قبل الإعلان عن (وعد بلفور) المشؤوم. فضلا عن تحوّل هذا الكتاب إلى وثيقة تاريخية وأرشيفًا حيًّا للتفاعل العُمانيّ مع القضية الفلسطينيّة، ولم يتوقف عند تاريخ محدد؛ بل واصل عملية التأريخ وصولا إلى اللحظة الراهنة ودور السلطان المعظّم هيثم بن طارق – أبقاه الله – وحكومته الرشيدة، وشعبه الأبيّ في الذوّد عن فلسطين في المحافل الدوليّة، والوقوف أمام الهجمة الإعلامية الشرسة للصهيونية التي دأبت منذ 75 عامًا على تبنّي الرواية والسرديّة الإسرائيليّة التي يوزعّها اللوبي الصهيونيّ على سائر منابر الإعلام الدوليّة مستخدما سلاح العصا والجزرة.

وفي خطٍّ موازٍ مع الدور العماني الحكومي في دعم القضية الفلسطينية رصد الباحث سند المحرزي الدورين الدينيّ متمثلا بمكتب الإفتاء ومواقف سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليليّ المفتي العام لسلطنة عمان، فضلا عن الدور التوعويّ الناضج الذي تقوم به وزارة الأوقاف العمانيّة لتبصرة المواطنين والمقيمين بالحقائق وما يتوجّب عليهم تجاه مساندة الشعب الفلسطيني.

ولكن ثلاثة أرباع الكتاب ركّزت على العلاقات العمانية الفلسطينية بالوثائق والمخطوطات، والرحلات الموثَّقة التي قام بها كبار رجال الدولة والأعيان والعلماء العُمانيين إلى القدس قبل نكبة 1948 وما بعدها، ثم أشار الكتاب في لمحة عاجلة إلى دور بعض الباحثين غير العمانيين في الكشف عن الأوقاف العُمانية في القدس الشريف.

ثُمّ أرّخ سند المحرزيّ لثلة من المجاهدين العمانيين الذين شاركوا في حرب 1948م وبعضهم وقع أسيرًا، والبعض مازال على قيد الحياة يحكي قصة الاستنفار العمانيّ الداعم لفلسطين ولا تنفصم عراه، ولا تنفك مواثيقه الغلاظ، والتي ينقض فتلها إلا جاحد أو خائن ومعاذ الله أن يكون في عمان مثل هذا الصنف من الآدميين.

وفي الباب الثالث من الكتاب استعرض الدور الاجتماعي والإعاني لمنكوبي فلسطين، وحملات التبرعات المتوالية من عمان وزنجبار والذي أرّخت له الصحف المحلية والعربيّة، فضلا عن الرسائل المتبادلة بين سلاطين عمان وأئمتها حول فلسطين، والكلمات الدبلوماسية التي أطلقت على منابر الأمم المتحدة بداية من كلمة السيد طارق بن تيمور بن فيصل عام 1971وصولا إلى كلمات صاحب السمو السيد ذي يزن، والسيدة الجليلة وتصريحات معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي والسفراء المعتمدون.

ولم ينس الباحث والمحقق اللغوي سند المحرزي التفاعل الأدبي مع القضية الفلسطينية من جانب الشعراء العمانيين ووضع سِفْرًا بأهم القصائد والشعراء الذين كانت فلسطين محورا قوميا في جل قصائدهم، وتفاعلوا مع كل حدث جلل أصابها، واختتم كتابه بملحق للمقتنيات الفلسطينية في سلطنة عمان يضم صورا لوثائق وعملات وأوسمة تذكارية وخرائط عثمانية عن فلسطين.

وفي الأخير يبقى القول: إنّ هذا الكتاب يمثّل أرشيفًا متحركًا، ويعد نواةً ومفاتيح للباحثين التأريخيين حول الدور العماني في دعم القضية الفلسطينية يمكن الرجوع إليه لتأصيل العديد من الأحداث أو الانطلاق منه في إنتاج العديد من البحوث العلمية وأطروحات الدكتوراه والماجستير؛ ولذا نوصي كل باحث باقتنائه.

 

 

الأكثر قراءة

z