إلى أين تتجه حرب إيران حقا؟

معاوية الرواحي

في كل حرب ثمَّة مستفيد! هذا ما يقوله المنطق، وحتى عندما يكون طرفان في الحرب في تساوٍ في الخسارة، هنا طرف ثالث يستفيد من خسارة الطرفين، هذا أيضا معلوم منطقيا. حرب إيران حاليا من المستفيد منها حقا؟

حسنا، هناك سيناريو بداية الحرب، المستفيد ضمن الخطة الإسرائيلية الطموحة للتوسع، وللتمدد، ولبسط النفوذ، والسيطرة، وقيادة الشرق الأوسط الجديد، والدفع بالتطبيع القسري، وفتح حضور إسرائيلي منطقي وطبيعي في المنطقة، وكما يحدث علانية وصراحة في الاقتصاد الأمريكي، وفي هوليود، وجماعات الضغط، هل براعة إسرائيل في التغلغل ستكون أقل؟ قد تكون أبطأ، قد تتأخر. هل النية موجودة؟ لا شك في ذلك منطقيا أيضا!

هذا هو المستفيد من بداية الحرب. السؤال الذي يطرح نفسه هو المستفيد من نهاية الحرب؟ الذي يتوق ويتعطش لها أليس كذلك، كيف يستفيد منها؟ بحسمها، بالمشاركة فيها، فالذي يشارك يحق له جمع الغنائم. وهنا الافتراض الذي جئت لطرحه. هل دخلت الحرب الآن حالة حصد الغنائم؟ ترامب وضغطه على الصين ومنافسيه بعد ضمان ورقة فنزويلا! إسرائيل بتحطيم وإضعاف المنطقة وإثارة الفوضى فيها وحلم أن يكون الجندي الصهيوني رفيق سلاح للجندي الخليجي الذي سيدخل حربًا شاملةً ضد إيران. إن كانت نهاية الحسم هي أن تتعب إيران من الدمار، والتعطيل المتعمد، وتوضع في موقفٍ حرجٍ يجعلها إما أن تذهب إلى ضربة "عليّ وعلى أعدائي" التي تهدد بها، بالتالي تتغير معادلة حاصد الغنائم من بداية الحرب إلى حاصد الغنائم من نهاية الحرب.

هنا سيحارب الجميع، من أجل تلك الغنائم التي لا يكتب عنها بعد انقشاع غبار المعركة. وهذا ما يحدث حاليا من شد وجذب، وهذا ما يأتي حاليا من حملات إعلامية متتالية ضد سلطنة عمان. ثمّة من يفكر باللغة العسكرية. إيران قدمت من البداية تراجعها أمام المجتمع الدولي، واختارت التهدئة، وتجنبت هذا الدمار الذي يستطيع تحالف دولي متظافر أن يحيقه بها، وفعلت ما بوسعها أيضا لتقدم لإسرائيل ولأمريكا الهدية المرجوة بالتصعيد مع الخليج.

أمريكا وإسرائيل قدمت الهدية الثمينة لإيران، وجعلت المنظومة الإيرانية حاليا عقيدة مؤسسية بعد أن كانت مرتبطة بأفراد محددين. قدمت ما يكفي لاستدامة هذه المؤسسة وإضفاء صفات البطولة عليها وإن كان الهدف المعلن من هذه الحرب هو تقويض النظام الإيراني باستخدام ما يسمى بقطع "رأس الأفعى" وفق التعبير الأمريكي والإسرائيلي، تغيرت بنية النظام السياسي الإيراني لكي يصبح الآن أبواغًا عقدية قابلة للانتقال الأفقي بعدما كان الأمر هرميا. هل كل الذي حدث كان من أجل نصر إعلامي سياسي أمريكي، أو استمرار للهوس الذي يسير عليه نتنياهو الذي لا مفر لديه من إدامة الحروب لكي يتجنب مصيره المأساوي عندما يفقد الدعم الكافي لكي يستمر في منصبه؟ من يدري؟

الذي فعلته إيران مع الخليج كان أبرز أخطائها. التنازلات التي قدمتها من البداية كانت تحاول تجنب كل هذا السيناريو المرعب. ما يحدث حاليًا هو تنافس على تكييف نهاية الحرب. هناك من يراهن على السلام، وهذا الذي اختارته سلطنة عمان وفق عقيدة سياسية تخطو الآن طريقها إلى العام الستين من الثبات على ذلك. وهناك من يحاول تكييف نهاية الحرب على مشاركته المباشرة فيها، وحصاد نتائج الرضا الأمريكي، ثم نتائج الواقع الميداني بمعطياته الاقتصادية المتشابكة، ولا ننسى أن مضيق هرمز كأي قناة بحرية في العالم، يسيل عليه لعاب من يسيل، ومع البلطجة المباشرة التي يمارسها ترامب على العالم ليس مستبعدا أن يتحول لنقطة جباية مستمرة تعويضًا على خسائر الحرب أو غيرها من الأعذار الواهية التي يمارسها البلطجية عندما يريدون السطو على أي شيء.

الذي لا يفكر في أطماع نهاية الحرب هو غبي سياسيا، واقتصاديا. هذه فرصة سانحة وحقيقية لأي بلطجي يعامل العامل معاملة قياسات القوة العسكرية. ولهذا السبب، يبدو أن سيناريو الحرب يتجه الآن إلى تحطيم ما يمكن تحطيمه من إيران، الاستحواذ على ما يمكن استحواذه من مصالح للدول (المنتصرة) ولاحقا حسابات ما بعد المعركة عندما تسفر الفتن عن وجهها القبيح، ومن المؤكد أن عُمان عليها أن تكون جاهزة ومستعدة لأي ردة فعل قد تأتي. ضرب موانئ عُمان بالمسيرات هو اعتداء اقتصادي سافر، عُمان لا تشكل أي تهديد عسكري لأي دولة في المنطقة والجميع يعلم ذلك.

التهديد الوحيد الذي تشكله عُمان هو دخولها نادي التنافس الاقتصادي، وهذا ما يأتي بشكل طبيعي وتلقائي مع أدوات التنافس، بعض الدول بالقوة الناعمة، بعض الدول بالبطش المباشر كما تفعل أمريكا، وبعض الدول أو الكيانات العدوانية ترسل المسيرات إلى موانئ عُمان. لا أحد يعلم ما القادم، أمام هذا الوضع المحتمل، الوعي الاجتماعي العماني يجب أن يكون جاهزًا لدروس جديدة ومختلفة، ولم يعد الجهل بما يحدث في العالم ممكنًا، لأن العالم الذي كانت عُمان تتجنب مشاكله، أصبح يزور بمشاكله عُمان، وما حيلة المضطر سوى أن يدفع الضرر عن نفسه، ذلك واجب الدول تجاه كياناتها، وواجب المجتمع تجاه أنفسها.

ونعم، من أسخف ما يمكن أن يقوله المرء في هذه الظروف هو الحديث عن سيروة التاريخ وغيرها من القفلات الفلسفية الخاوية. كلها أسئلة في أسئلة والثابت الوحيد هو الفيزياء المعدنية للاعتداء الغاشم على موانئ عُمان. في كل عدوان هناك مستفيد، وهناك خاسر، وفي نهاية الهجمة التدميرية التي تشنها عدة دول على إيران، والتي تشنها إيران على عدة دول، ومنها دول الخليج، سيسفر المشهد الأخير عن خاسرٍ وعن رابح. هل المضيق هو المستهدف؟ هل الاستحواذ على المصالح الإيرانية بحكم القوة؟ هل بناء شرق أوسط جديد؟ أم خطة أخرى إسرائيلية سوف تواصل بها الذهان التوراتي المفبرك الذي قاد لإنشاء هذا السرطان السياسي في المنطقي. نعم، من السخف أن ترمي كل ذلك إلى سيرورة التاريخ، ومن السلامة المنطقية فعل ذلك أيضًا. الحقائق دائما تأتي بعد انقشاع غبار المعركة، والتهافت على جمع الغنائم. منطق القوة الكلاسيكي، البدائي، حارب لتنغم! والظلم من شيم النفوس!

 

 

الأكثر قراءة

z