معاوية الرواحي
في "كوميدي سينترال" وهي قناة كوميدية، تجمع مجموعة من النجوم وتقوم بتسليط لسان الكوميديين الجارح على نجم الجلسة! قبل سنوات تناول الكوميديان جيفري روس موضوع نية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للترشح للرئاسة، تنبأ كثيرون أن فكرة شاطحة مثل أن يكون ترامب رئيساً لأمريكا تعني أن العالم أصيب بالجنون!
وترامب يُلمح لهذا الشيء منذ ثمانينيات القرن الماضي. كان شيئًا مرئيًا، يقترب كل يوم. الذي تأكد منه الجميع، في تلك الليلة المشؤومة، عندما قامت النرجسية الجريحة للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بتوجيه ضربة من ضربات المعنى، ضربات النجاح، والمقارنة، ضربات الأستاذ الأكاديمي الأنيق مختلط العروق الذي أصبح رئيسًا لأمريكا تحت شعار "نعم نستطيع" إلى نجم الواقع، الضحل، الشعبي، التافه، حامل راية البداهة، الملياردير الذي يعيش في قلب الربحية، ونفع الذات، وأين؟ في البيت الأبيض، بينما يجلس ترامب حاله حال أي إنسان عادي بين الضيوف، ويدير الرئيس الأمريكي قائد العالم الحُر- كما يسمونه- المنصة لكي يسقط ذلك الجرح الهائل على نرجسية إنسان خارج السياق والمنطق!
كان ذلك مرئيًا للجميع. واستفزازًا يهدف إلى صناعة منافس كرتوني كافٍ للديمقراطيين، فقد غيَّروا أمريكا! أو هكذا ظنوا وقتها. غيروها بما يكفي لخدمات صحية تستفز الداروينية التي تجوب أرجاء الفكر الأمريكي، والبقاء للأقوى، والأذكى، والأكثر قدرة على صناعة الفرص، والمال. ماذا عساه أن يقول رهان أوباما الآن؟ بعد فترتين كاملتين الثانية لا يعلم إنسان كيف ستمضي في عصر التناقضات التعيس هذا!
السؤال الحقيقي هو: ما هو الشواء الذي سيقوم ردَّه هذا الترامب للعالم؟ وإلى أي مدى من الجنون سوف يذهب؟ هذا الذي أُهين في حفل عشاء فعل المستحيل، بكل الأدوات التقنية، والتدخل في الانتخابات (الشرعي، وغير الشرعي حسب التقارير) والأدوات والعروق اليهوأمريكية التي يجيد اللعب عليها، وانتهى به الحال إلى شطر أمريكا إلى قسمين. هذه ردة الفعل الأولى، على إهانةٍ عادية في حفل عشاء.
ماذا بعد الإهانات التي بعدها؟ محاولة العزل؟ المحاكمة؟ الخسارة من بايدن؟ كل هذا يتراكم في أي ذهن تحديدًا؟ وفي ذهن من تحديدًا؟ كل هذا لا يدعو للتفاؤل تجاه ما ينوي هذا الشاطح فعله. وما المنطق النفسي الذي سيأتي منه بعد أن يُنهي مراحل عمله الأولى؟ وتبدأ التهديدات الحقيقية بملاحقته بعد أن يكون رئيسًا سابقًا؟
لا يبدو أن شيئًا سيُرضي جنون ترامب سيكون أقلَّ من حربٍ حقيقيةٍ جمهورية أخرى. نحن لا نتكلم عن رئيس جاء في ظروف نفسيةٍ عادية، نحن نتكلم عن شيء آخر، عن إنسان نجا قريبًا من محاولة اغتيال كادت أن تُغيِّر مسار التاريخ الحديث. رصاصةٌ مثل التي اصابت تشارلي كيرك كادت أن تفعل ذلك، فماذا غيّرت الرصاصة التي كادت أن تشطب اسم ترامب من قائمة الأحياء؟
هذا الثور الجريح، الغاضب، الساخط، ما السيناريو الجنوني الذي يضمن له عدم المساس به بعد فترة رئاسته؟ إما أن يشطر أمريكا إلى نصفين، أو أن يشطر العالم إلى نصفين. ربما لذلك يحاول دائمًا ضمان سلامته أمام روسيا، وربما لذلك يُمهِّد الطريق للفتك بأوكرانيا، لعله يصنع ما يكفي من الأرصدة لكي يحقق حربه الأولى، فلُعبة المجد لمن هو في مكتبه تختلف عن لعبة المجد لمن يدير أُممًا وهو يعرف أن عمره مرتبط بها، ليس مثل بوتين الذي يحمل راية المجد الروسي، وسواء كان على صواب أو خطأ وفق المعايير المختلف حولها دائمًا، يعرف بوتين أن بقاءه ليس رهن سنوات قليلة، وأن روسيا لن تفتك به، ليس بسهولة، وليس في الأفق القريب.
لا أريد أن أكون ديستوبيًّا، متشائمًا، أحمل راية هلاوس نهاية العالم. ليس من الخطأ وصف من يظن أن ترامب سوف يفعلها، وسوف يضغط على الزر النووي يومًا ما، بالمهلوس المُصاب بالهلع. ولكن أيضًا، ليس من الخطأ توقع الأسوأ من كبرياء نرجسي جريح، غاضب، محاط به من كل جانب، تقف نصف أمريكا ضده بكل قوتها، ويخاصم ليل نهار مجتمعات الاستخبارات، والجيش، والدبلوماسية، والاقتصاد؛ بل وحتى النمل والصراصير لو تأتّى له ذلك.
نحن أمام رجل نجا من محاولة اغتيال، ولا يتيح له العالم فرصة لاستيعاب اقترابه الوشيك من الموت. ولن تتيح له الظروف سوى المزيد من الضغوط، وهو نفسه ليس إنسانًا تستبعد عنه فعل أي مصيبة في هذا الكوكب. اختطاف رئيس دولة، والتلاعب بمصير شعب مثل أوكرانيا، والصمت عن الإبادة التي حدثت من قبل حليفه المسخ الآخر، والانسحاب من المنظمات الدولية، والانفراد بمشهد نفوذ القارتين، وعلى ذلك قِسْ، وعلى ذلك حاول الفهم.
ترامب لا يريد الحرب لأنها نزعة أمريكية بالضرورة، ترامب يريد أن يترك نفسه في حالة لا مساس به بعد رئاسته، أن يجعل المنطق العام يحميه لأن المساس به سيعني مساسٌ بأمريكا كلها، كما فعل جورج بوش الصغير الذي نجا لسبب ما أو لآخر من مصيبته الكبرى في العراق، ومرَّ سلامًا بتاريخ الموت والظلم. يحتاج ترامب إلى حرب حقيقية لكي ينجو من النهاية التي تقدمها الديمقراطية الأمريكية لكل شاطح أقحم حياته في ذلك المكتب البيضاوي. ومن يدري؟! هل الحرب على إيران تكفيه؟ أم يريد ما هو أبعد، أن يذهب إلى شمشمون، وأن يهدم المعبد فوق رؤوس الجميع، فمثل ترامب سيتقبل كل شيء إلّا نهاية ذليلة يلاحقه فيها القضاء، وربما ينال منه، ويأتي من بعده رئيس ديمقراطي يتولى نسفه من التاريخ! هل ستكون هذه نهاية ترامب حقًا!!
عسى أن تكون الدنيا بهذه العدالة، وأن يزوي ترامب كما زوى غيره من الأبالسة الذين نالوا يومًا ما ذلك اللقب العنجهي المُسبِّب لفصام العظمة: قائد العالم الحُر!
