رحلة صغيرة للنجاة

عائض الأحمد

ماذا لو حاولتُ بطريقةٍ مختلفة؟

كانت إضاءةً لمعت دون سابق إنذار، في حديثٍ عَرَضيّ لم يكن له أيّ علاقة بما ذهب إليه صديقي ابنُ الستين عامًا ويزيد، بعد أن أعياه همّ الشكوى وسوء الحال، وعجزه عن تقبّل تصرّفات من حوله.

وبدأ بسؤالٍ أثقل صدره قبل أن ينطق به:

هل لديّ القدرة على تغيير كلّ هؤلاء؟

أم أغيّر من نفسي، وأعمل على تقبّل الآخرين، خيرٌ لي من كلّ هذا الألم الذي صنعتُه لها؟

قلتُ له أو ربما قلتُ لي أولًا—إننا كثيرًا ما نُحسن الظنّ بقوةٍ لا نملكها، ونُسيء فهم القوّة التي نملكها حقًا.

فليس في مقدور أحدٍ أن يُعيد تشكيل العالم على مقاس حزنه، لكننا قادرون أن نُلين قلوبنا، أن نُروّض غضبنا، وأن نُخفّف حدّة توقّعاتنا من الناس.

وحدها طريقة النظر هي التي تغيّر اتساع الجرح أو ضيقه.

فثمة شيءٌ يشبه المصباح الصغير؛ لا يبدّل شكل الغرفة، لكنه يكشف لنا أين نضع أقدامنا دون أن نتعثّر.

ثم قلتُ له:

جرّب مرة أن تستبدل السؤال: “لماذا يفعلون هذا؟” بـ “كيف لا يؤذيني ما يفعلونه؟”

الأول يرهقك…

والثاني ينقذك.

ولعلّك لو جرّبت أن تترك للناس مساحتهم كما تتمنى أن يتركوا لك مساحتك، لاضمحلّ كثيرٌ من الثقل الذي تحمله، ولأدركت أن نصف معاركنا مع الآخرين ليست سوى معارك خاسرة مع أنفسنا.

وتتبّع الصغائر وإن بدت في منظار اهتمامك شيئًا ذا شأن،لن تكون بعد فترة من الزمن إلا ذكرى عابرة، ستضحك منها كثيرًا، أو قد تأتيك النفس اللّوّامة لتقول لك:

أيُّ عبثٍ كنتَ تستدعيه يا رجل؟

أتراك كنتَ تظنّ أن العالم يتهيأ على مقاس غضبك؟ أم كنت تراهن على أن الناس سيتخلّون عن طباعهم لأنك تأذّيت منها؟

إننا حين نُمعن في مطاردة الهفوات الصغيرة، نُهديها حجمًا لم تملكه، ونمنحها قدرةً لم تكن لها. فتكبر في صدورنا، وتُصغّرنا في أعمارنا، وتُتعب أرواحنا بما لا يستحق العناء.

ولهذا قلتُ له أخيرًا:

إن السلام لا يأتي بعد أن يتغيّر الناس…

بل بعد أن نتوقف نحن عن منحهم سلطةً لم يطلبوها، ولن يعرفوا يومًا أنهم يملكونها.

فالسلام يبدأ حين نكتشف أن أجمل النجاة ليست في تغيير العالم، بل في تغيير طريقة عبورنا فيه.

وهل رأيتَ أحدًا يبني جسرًا في الفراغ، قبل أن يسأل عمّن سيحتاج إليه؟

نحن نعبر كثيرًا، نعم، لكن الجسر حين يُقام يجعل عبورنا جميعًا أكثر سلامًا.

وهكذا هو التغيير الداخلي؛ نبنيه أولًا في ذواتنا، لنصل إلى الضفّة الأخرى سويًا دون صدام.

لها:

كنتُ أبذل أكثر مما أستطيع، ثم تنبّهتُ بأن تغيير العادة أشبه بتغيير البصمة.

شيءٌ من ذاته:

حينما تتقبلها كما هي، لن تبذل جهدًا كبيرًا في التعايش مع أخطائها.

إنها الحياة… ولن تكون قاعةً تنظيرك.

نقد:

اسمح لك بكل شيءٍ إلا ما يتعارض مع أفكاري، ثم ينزل معه إلى وحلٍ لم يشهده من قبل.

 

الأكثر قراءة

z