مع الوطن دائما

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

"أحب وطني حتى عندما يعاملني بظلم''.. مانديلا

الوطن ليس حالةً عابرة، وليس مزاجًا يتبدل في كل حين، الوطن جزءٌ من ذواتنا نعيش فيه ويسكننا، من لم يصل لمعنى الوطن في داخله فلن يعرف معنى الحرية والحياة، ومن يعتقد أنّ الانتماء للوطن يُقاس بما نأخذه منه فهو ليس إلا تاجرًا يضع الأثمان ليقبض الربح، ويمضي حيث يجد لكل شيءٍ قيمةً مادية، يُغيِّر جلده كلما كان لمعان المال أكثر.

أقول هذا بعد أن صدمتني آراء البعض منا في الأحداث التي تمر بها المنطقة، خاصةً وأن هناك من الخارج أشخاصًا جُنِّدوا أو جَنَّدوا أنفسهم للافتراء على بلدنا العزيز، وأصبح شغلهم الشاغل فقط النيل منا ومحاولة نشر الفتنة بين أبناء الشعب وبين أبناء الخليج، وهذه فئة ندرك منطلقاتها ومآربها ومن يقف خلفها، ولكن ما أذهلني أن هناك من انساقوا وراءهم بقصدٍ أو بحسن نية، وتبنوا آراءهم، بل إنّ بعضهم بات ينفخ في رماد المذهبية والطائفية والفئوية والجهوية، محاولًا إشعال نار الفتنة في هذه التربة الطاهرة.

ندرك أن أبناء سلطنة عمان أكثر وعيًا من الانسياق وراء مثل هذه النعرات والفتن، وندرك أن هذه التربة الطيبة لا تقبل إلا طيبًا، ولكن يحزننا أن يخرج من بيننا وممن شرب من ماء هذا الوطن وعاش في كنفه وأكل من خيره، ثم نجده يعين المبغض الحاقد ويسايره، بل ويحارب ويتبرأ ممن يدافع عن الوطن، ويصفه بعباراتٍ ومصطلحاتٍ هابطة لم نكن نسمعها في هذا البلد الذي تربى أبناؤه على احترام الآخرين وتقديرهم، وتربى على حسن الخلق وعلى القيم الحميدة والمثل العليا.

وفي مثل هذه الأوضاع، فالخروج عن الصف الوطني لا يُعد رأيًا، بل هو طعنٌ في خاصرة الوطن، وشقٌّ في اللحمة الوطنية، ونكرانٌ للجميل، فالآراء التي تخرج في اتجاهٍ معاكسٍ لخط سير الوطن ما هي إلا رصاصاتٌ في محزم العدو يستغلها ويوجهها لقلب الوطن، وشق الصف أعظم وأقوى سلاح تخسر به الأمم حروبها، لأنها توجه طعناتها من الداخل، ولا يمكن قبول هذا النهج وقت السلم، فما بالكم في وقت الحرب، وكأن المتربصين من الخارج والمأجورين لا يكفون ليزيد معهم من نحسبهم منا ومعنا.

لا يمكن قبول الأمر من باب حرية التعبير والرأي، فالوضع ليس مناسبًا للمشي في هذا الخط، والمنطقة الرمادية لا مكان لها في وقت السلم، فكيف بوقت الحرب والأزمات، والمشي بعكس اتجاه الدولة ما هو إلا ضعف وتخاذل وعدم مسؤولية، وتآمر على وطن منحك الأمن والاستقرار والأمان الذي يطلبه غيرك في وطنه فلا يجده، ويغبطك البعض عليه ويحسدك آخرون على هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله تعالى بها على هذا الوطن، والتي هي نتاج سياسة ثابتة ومبادئ راسخة أُسِّست على منهاجٍ واضحٍ ومعايير لا تتبدل ولا تتلون.

لم تكن سلطنة عمان يومًا إلا سندًا لجيرانها، وعونًا لدول الخليج العربي والدول العربية والإسلامية، وسلمًا للدول التي تربطها بها علاقات دبلوماسية ومواثيق دولية، ولم تكن يومًا إلا مثالًا لاحترام النظم الدولية ومبادئ القانون الدولي، ولذلك استحقت أن تكون دولة وساطة موثوقة، والحمد لله ننظر بفخرٍ لهذه السياسة التي جعلت من وطننا قبلةً لكل من أفزعته الحروب، وملاذًا للفرقاء والمتخاصمين، فما بال تلك الفئة التي لا تبصر كل ذلك، وتسعى جاهدةً للوصول إلى غاياتها الشخصية على حساب الوطن، سواء بعلمٍ أو بدون علم.

وفي الحروب والأزمات، إن لم تكن مع الوطن فلا تكن ضد سياساته، ولا تسلك خطًا غير الخط الذي ترسمه الدولة عبر مسؤوليها، وكن حائط صد لكل مبغض حاقد ناقم مفتر، فالوطن لا يعرف الحياد في حبه والتضحية من أجله، ولا يقبل الآراء المهزوزة والمواقف المتأرجحة، ولذلك كن مع الوطن أو اصمت حتى لا يُؤتَى وطنك من قبلك، وعندها لن يمجدك من أعنته على وطنك، بل إنه يحتقرك ويمقتك وينظر إليك نظرةً دونية، ولا تظن غير ذلك.

الأكثر قراءة

z