بين الاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي وحكمة الاختيار

 

 

 

د. ذياب بن سالم العبري

لم يعد الذكاء الاصطناعي حديث المستقبل، بل أصبح واقعًا يتشكل بسرعة في تفاصيل الحياة اليومية، ويدخل في مجالات التعليم والاقتصاد والإدارة والخدمات بوتيرة متسارعة لا يمكن تجاهلها. ومع هذا التحول، تتجه المؤسسات في مختلف دول العالم، ومنها في سلطنة عُمان، إلى تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي بوصفها أحد أهم أدوات التحول الرقمي ورفع الكفاءة وتحسين جودة الأداء، وهو توجه ينسجم مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" التي تقوم على بناء اقتصاد معرفي، وتعزيز الإنتاجية، وتطوير الخدمات، وتمكين الإنسان من أدوات العصر.

غير أن ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة أن الاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي أصبح في بعض الأحيان أسرع من التفكير في كيفية استخدامه، وأسرع من تحديد المجالات التي يحتاجه العمل فيها فعلًا. فليس كل إجراء يحتاج إلى ذكاء اصطناعي، وليس كل مشكلة تُحل بالتقنية، كما أن إدخال الأنظمة المتقدمة لمجرد مواكبة الآخرين لا يصنع تحولًا حقيقيًا، بل قد يضيف تكلفة جديدة دون أثر واضح. ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: أين نستخدمه، ومتى نستخدمه، وكيف نستخدمه بطريقة تحقق قيمة حقيقية.

الذكاء الاصطناعي ليس أداة بسيطة أو قليلة التكلفة، بل هو في كثير من الحالات استثمار مرتفع الثمن يحتاج إلى بيانات دقيقة، وبنية تقنية قوية، وكفاءات بشرية قادرة على التشغيل والتطوير، إضافة إلى صيانة مستمرة وتحديث متواصل. وإذا لم يتم اختيار المشاريع المناسبة له، فقد تتحول المبادرات التقنية إلى عبء مالي وإداري بدل أن تكون وسيلة للتطوير. ومن هنا فإن الإدارة الرشيدة تقتضي أن يكون التركيز على المشاريع ذات العائد الأكبر والتأثير الأوسع والتكلفة المعقولة، لا على كثرة الأنظمة أو سرعة الإعلان عنها.

والتجارب العملية تشير إلى أن أفضل نقطة للبدء في تطبيقات الذكاء الاصطناعي تكون في الأعمال المتكررة والإجراءات الروتينية التي تستهلك وقت الإنسان وجهده، ويمكن للأتمتة أن تنجزها بسرعة ودقة أعلى. فهذه المجالات تحقق نتائج واضحة، وتوفر في الوقت والتكلفة، وتمنح المؤسسات خبرة تدريجية قبل الانتقال إلى تطبيقات أكثر تعقيدًا. أما القفز مباشرة إلى مشاريع كبيرة غير واضحة العائد، فقد يؤدي إلى إنفاق كبير دون أثر ملموس، وهو ما لا يتفق مع منهج التخطيط المتزن الذي يقوم على تحقيق أفضل قيمة مقابل التكلفة.

وفي خضم هذا التحول، يجب أن تبقى حقيقة أساسية واضحة، وهي أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الإنسان، بل يكمله. فالآلة تستطيع أن تحلل وتنفذ وتتوقع، لكنها لا تضع الهدف، ولا تتحمل المسؤولية، ولا تملك التقدير الإنساني الذي يحتاجه القرار السليم. ولهذا يبقى الإنسان هو المخطط والموجه وصاحب القرار، بينما تبقى التقنية وسيلة لرفع الكفاءة لا بديلًا عن العقل البشري.

وفي سلطنة عُمان؛ حيث تتقدم مشاريع التحول الرقمي في مختلف القطاعات، تبرز أهمية توجيه الذكاء الاصطناعي نحو المجالات الأكثر تأثيرًا، وفي مقدمتها التعليم، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه بقية مسارات التنمية. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم التعلم المخصص، وتحليل مستويات الطلبة، ومساندة المعلم، وربط التعليم بمهارات المستقبل، لكن نجاح ذلك لا يتحقق بكثرة الأنظمة، بل بحسن التخطيط، والتدرج في التطبيق، وبناء الكفاءات الوطنية القادرة على الاستخدام الصحيح.

إن التطور التكنولوجي في كل مراحله لم يكن يومًا بديلًا عن الإنسان، بل كان دائمًا اختبارًا لمدى حكمته في استخدام ما يملك من أدوات. والذكاء الاصطناعي اليوم ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو قوة كبيرة إذا أحسن توظيفها، وقد يتحول إلى عبء إذا تم الاندفاع إليه دون رؤية واضحة.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي في المرحلة القادمة ليس في امتلاك أنظمة أكثر، بل في اختيارٍ أدق، وتطبيقٍ أذكى، وفهمٍ أعمق لدور الإنسان في قيادة التقنية لا في الانقياد لها. فالمستقبل لا تصنعه الآلات وحدها، بل يصنعه الإنسان حين يعرف متى يستخدمها، وأين يستخدمها، وكيف يجعلها في خدمة الوطن لا عبئًا عليه. وهنا تكمن الحكمة التي نحتاجها أكثر من أي وقت مضى، ونحن نعيش بين سرعة الاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي… وحكمة الاختيار.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z