حمد الحضرمي **
في زمنٍ تتكالب فيه الأزمات، وتتشابك فيه المصالح، وتضطرب فيه الموازين، يبرز سؤالٌ ملحٌّ لا يقبل التأجيل: ألم يأنِ لدول الخليج أن تتحد؟ أم سنبقى ننتظر حتى تستفحل الأخطار، وتتحول التحديات إلى واقعٍ لا يمكن تداركه؟
لقد كشفت هذه الحرب -التي تتعرض لها إيران، بكل ما يحيط بها من جدلٍ قانوني وسياسي- عن حقيقةٍ صادمة ومؤلمة في آنٍ واحد؛ إذ بينما انشغلت الأنظار بالصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى، كانت دول الخليج العربي -التي لم تكن طرفًا مباشرًا في هذا النزاع- تدفع ثمنًا باهظًا، وتتعرض لضربات موجعة استهدفت شريانها الاقتصادي ومصدر قوتها واستقرارها.
إن استهداف منشآت الطاقة، والموانئ، والمطارات، وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، ليس مجرد أعمال عسكرية عابرة؛ بل هو اعتداء صارخ على سيادة الدول، وتهديد مباشر للأمن الإقليمي والدولي، وانتهاك واضح لمبادئ القانون الدولي التي تجرّم استهداف البنى التحتية المدنية والاقتصادية. وهي أفعال لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، ولا السكوت عنها مهما كانت الذرائع.
والمؤلم أكثر أن الردود لم تكن بمستوى التحدي، ولا بحجم الخطر الداهم. فحين تُستهدف أوطاننا، لا يكفي أن نُدين، ولا أن نستنكر، بل يجب أن نُحصّن، ونُعدّ، ونُوحّد الصفوف.
إنَّ هذه المرحلة الحساسة تفرض على دول الخليج العربي: سلطنة عمان، والمملكة العربية السعودية، ودولة الكويت، ودولة قطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، أن تعيد قراءة المشهد بوعيٍ أعمق، وأن تدرك أن الأمن لم يعد شأنًا قطريًا منفصلًا؛ بل هو منظومة متكاملة لا تقبل التجزئة.
ولم يعد الحديث من وجهة نظري عن تحويل مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى اتحادٍ مجرد فكرةٍ حالمة أو شعارٍ سياسي يُرفع في القمم الخليجية، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات المتسارعة في الإقليم والعالم؛ ففي زمن تتشكل فيه التكتلات الكبرى، لم يعد التفرق خيارًا آمنًا، ولا العمل الفردي كافيًا لحماية مصالح وصناعة مستقبل دولنا الخليجية.
إن دول الخليج، بما تمتلكه من ثروات طبيعية هائلة، وموقع جغرافي بالغ الأهمية، واستقرار سياسي، قادرة -إذا ما توحدت- على تشكيل قوة إقليمية يُحسب لها ألف حساب. فالاتحاد ليس مجرد تنسيق سياسي؛ بل هو انتقال إلى مرحلة جديدة من التكامل الحقيقي الذي يمنح المنطقة ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا له مكانته وتأثيره الإيجابي الكبير على دولنا وشعوبنا الخليجية وعلى دول العالم بأسرها.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد الحقيقي؛ اتحاد لا يقتصر على البيانات، بل يمتد إلى:
- توحيد القرار العسكري ضمن منظومة دفاعية مشتركة قوية ومتكاملة.
- تعزيز القدرات البرية والبحرية والجوية بأحدث التقنيات والأسلحة.
- تأمين الممرات الحيوية وعلى رأسها مضيق هرمز، باعتباره شريانًا عالميًا لا يخص دولة بعينها.
- بناء اقتصاد خليجي متكامل قادر على امتصاص الصدمات والتحديات.
إن ترسيخ الاستقرار الداخلي لدولنا الخليجية من خلال التكامل في مجالات التعليم، والصحة، والبنية التحتية، سيجعل هذا التكامل نموذجًا تنمويًا متقدمًا ينعكس إيجابًا على حياة المواطن الخليجي. وعندما يشعر المواطن أن مستقبله مرتبط بمنظومة خليجية موحدة، فإن الانتماء سيكبر، والولاء سيتعزز ويقوى.
ولا شك أن هناك تحديات كبيرة أمام تحقيق هذا الاتحاد، مثل اختلاف السياسات، والتباينات الاقتصادية، والهواجس السيادية، والعملة النقدية، وغيرها من التحديات، لكنها تحديات واجهتها تكتلات أخرى ونجحت في تجاوزها بالإرادة السياسية والرؤية المشتركة الحكيمة، وما يجمع دولنا الخليجية من تاريخ، وثقافة، ودين، ومصير مشترك، يفوق بكثير ما يفرقها.
إن الاتحاد ليس ترفًا سياسيًا، ولا شعارًا إعلاميًا، بل هو ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة. فالدول المتفرقة تُستنزف، أما الدول المتوحدة فتصنع التوازن وتفرض الاحترام، لأننا نعيش في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.
أيها القادة، أيها الشعوب…
إن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يذكر إلا من صنعوا الفارق في اللحظات الحاسمة. وإن أمامكم فرصة تاريخية لتأسيس قوة إقليمية حقيقية، يكون لها وزنها في ميزان العالم، وصوتها المسموع في كل محفل.
فهل نغتنم اللحظة… أم نتركها تمر كما مرت فرصٌ كثيرة من قبل؟
سؤال ينتظر الإجابة عليه من أصحاب القرار: ألم يأنِ لدول الخليج أن تتحد؟
** محامٍ
