ريما حمزة
صعبٌ أن تقاضيكَ الحياةُ كمحكمةٍ خشنة القلب، قُضاتها مُعقّدون، شهودها مُرتشون، وقرارُ إدانتها صادرٌ قبلَ صدوره، توّقعُ على قناعةِ الجُرود وأنتَ تشتّم رائحةَ البراري والأشجار من مساماتِ الأرض، يحاصرُ تشرينُ نوافذك ومع اختلاجةِ الستائر تتعلقُ عيناكَ بنزواتِ المطر وعربات الريح.
لغتكَ مسماريّة، وملابسكَ تنكريّة، وحروفكَ ضدَّ الشفتين.
كيف ستخرجُ من لعنةِ المبتدأ والخبر؟
كيف ستمحو أصفاركَ عن شِمالِ الحب؟
منمنمات حياتك لوحة مفاتيح، وأفكارك دردشاتٌ خجولة عُلّقت على نوافذ الصقيع، وحميم علاقاتك يخضورٌ متهالكٌ في أيلولِ الأوراق الذابلة.
في غيبوبة فرحكِ الكيميائي ترمقُ زمنكَ المكسور على الساعات، وشيخوخة المراكب في سواحلك وموجك الذي لا يكلّم الشطآن.
كم كبرتْ ألف عام!
عرفتَ مساحة الجرح وتفجّرت ينابيعك الجوّانية، واكتشفت هويّتك المطمورة تحت الرمل والتراب، كيف يستيقظُ الماردُ القابعُ فيك؟
بين هذا وذاك ثمّة صوتٍ كصوتِ تنفّسِ الحدائق يغيّر طقس العالم في عينيك، إنه صوتٌ كالموجِ الهادر يثورُ على نفسهِ في كلِّ لحظة، ويناقضُ نفسه في كلِّ لحظة، ويفقد ذاكرته في كلِّ لحظة، وشغفٌ مشبوبٌ بالرحمة يرّتبُ ما تناثرَ من صهيلك في الوريد، وكلّما خفقت بنفسجةٌ يُزيحُ حُلكةَ الغيمِ لتُورقَ من جديد.
اليقين بالله.. أودعتهُ حنايا ضلوعك، فاستعذبتَ ناركَ الإبراهيمية وأعلنها نبضك مِشية (مارشٍ) حماسيّة تُعيدُ هندسةَ نفسك الإنسانية فهو الجنون الذي يختصرُ كل العقل، والفوضى التي تختصرُ كلَّ نظام.
اليقينُ لا يفقد ذاكرته، وحواسه الخمس فهو يقفُ بأقصى درجاتِ التأهبِ والاستنفار يحمل بندقيته على كتفه ويقومُ بنوباتِ حراسة، ورائحته لا تخيب كرائحة الأزهار الأفريقيّة الحارقة، تشي به، ويمارس طقوسه بفطرته البكر وأنسنّة احترافية، وهو يومئ إليكَ أن اتبعني؛ فالشمس بوصلة والشطوط رملية ناعمة، والريحُ مواتية لتهزم هزيمتك، وتبسط سلطانكَ على القارات الخمس.
وأخيرًا.. اِعْلمْ أنَّ سجناء اليقين مكتنزون بالحرية، وطُلقاءَه طافحون بالعبودية، والله لا يقرأ إلّا رسائلهم ولا يُجيبُ إلّا عليها.
