إنهاء العلاقة مع كيروش تعكس قراءة فنية رصينة لمتطلبات المرحلة

السكتيوي يقود "الأحمر" في توقيت دقيق مع قرب الاستحقاقات الإقليمية والقارية

 

◄ السكتيوي اسم صاعد في عالم التدريب وقاد "المغرب" للتتويج بكأس الأمم الأفريقية

◄ كرة القدم العُمانية تمر بـ"مفترق طرق".. والواقع يتطلب "مراجعة شاملة"

◄ المنتخب العُماني أمام فرصة جديدة لإعادة كتابة تاريخه الكروي

 

 

الرؤية- أحمد السلماني

في توقيت دقيق وحاسم، اختار الاتحاد العماني لكرة القدم أن يفتح صفحة جديدة في مسيرة المنتخب الوطني الأول، بإسناد مهمة القيادة الفنية إلى المدرب المغربي طارق السكتيوي، في خطوة تحمل بين طياتها مزيجًا من الجرأة والتخطيط، وتؤسس لمرحلة يُراد لها أن تكون مختلفة في الشكل والمضمون، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الإقليمية والقارية، وعلى رأسها كأس الخليج، وكأس آسيا.

قرار التغيير الذي جاء بإنهاء العلاقة مع المدرب البرتغالي كارلوس كيروش، لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل قراءة فنية للمرحلة؛ حيث جاء قبل نهاية الموسم المحلي، ليمنح المدرب الجديد المساحة الكاملة لإعادة تشكيل المنتخب وفق رؤيته الفنية، بعيدًا عن فرض الأسماء، وبما يتماشى مع فلسفته التكتيكية التي تعتمد على الانضباط والسرعة والتحول الهجومي الذكي، وهي عناصر لطالما افتقدها المنتخب في فترات سابقة.

السكتيوي، القادم من مدرسة كروية مغربية حديثة، يُعد من الأسماء الصاعدة في عالم التدريب، حيث صنع لنفسه حضورًا لافتًا في السنوات الأخيرة، بعد أن قاد المنتخب المغربي المحلي للتتويج بلقب كأس أمم أفريقيا للاعبين المحليين، وحقق إنجازًا تاريخيًا مع المنتخب الأولمبي المغربي بنيل الميدالية البرونزية في أولمبياد باريس 2024، وبطولة كأس العرب بالمنتخب الرديف، فضلًا عن تتويجه بكأس الكونفدرالية الأفريقية مع نهضة بركان، وهي مؤشرات تعكس شخصية مدرب يعرف طريق البطولات، ويجيد التعامل مع الضغوط، ويملك القدرة على بناء فرق تنافسية في وقت قياسي.

ويأتي تعيين السكتيوي في وقت تمر فيه كرة القدم العُمانية بمفترق طرق حقيقي، بين واقع يحتاج إلى مراجعة شاملة، وطموح جماهيري لا يقبل إلا بالعودة إلى الواجهة الآسيوية، بل وتجاوزها نحو حلم طال انتظاره وهو حلم الوصول إلى نهائيات كأس العالم، الذي ظل عصيًا رغم محاولات متكررة عبر عقود.

وشهدت المرحلة الماضية نهاية تجربة المدرب البرتغالي كارلوس كيروش مع المنتخب الوطني، بعد أن أخفق في تحقيق الهدف الأهم والمتمثل في بلوغ نهائيات كأس العالم، رغم أن "الأحمر" وصل إلى الملحق الآسيوي تحت قيادة المدرب الوطني رشيد جابر، قبل أن تتعثر حظوظه بالتعادل السلبي أمام المنتخب القطري، ثم الخسارة أمام المنتخب الإماراتي بنتيجة (1-2)، ليذهب المقعد في نهاية المطاف لصالح المنتخب القطري.

وكان المدرب البرتغالي يتوق للمشاركة في كأس العالم، ومع فشله مع الأحمر سعى لتدريب منتخبي تونس ومصر الموجودان في كأس العالم دون اعتبار لعقده الموقع مع منتخبنا حتى نهاية يونيو المقبل، وهو ما عجّل بقرار التغيير وفتح الباب أمام مرحلة فنية جديدة بقيادة السكتيوي.

ولا يزال الشارع الرياضي العُماني يحتفظ بذاكرة ذهبية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، حين أذهل منتخب الناشئين العالم بحلوله رابعًا في كأس العالم بالإكوادور، وتُوج ببطولة آسيا للناشئين عام 2000، يترقب اليوم عودة تلك الروح، خاصة وأن الكرة العُمانية لطالما عُرفت بأسلوبها الفني الممتع، حتى لُقّب المنتخب بـ"برازيل الخليج وآسيا"، لما يمتلكه اللاعب العُماني من مهارة فطرية وقدرة على اللعب السهل الممتنع.

ورغم هذه المقومات، فإن التحديات التي تواجه الكرة العُمانية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها غياب مشروع وطني متكامل يبدأ من القاعدة، ويعيد صياغة منظومة الفئات السنية، ويرتقي بمستوى المسابقات المحلية، التي ورغم ما شهدته من تحسن ملحوظ في دوري الأضواء "جندال"، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير على مستوى التنافسية، والاستدامة الفنية، والبنية الاحترافية.

وفي المقابل، تمتلك السلطنة قاعدة رياضية لا يُستهان بها، تتمثل في 11 مجمعًا رياضيًا متكاملًا، وأكثر من 50 ناديًا بمرافق متعددة، إلى جانب تجربة الفرق الأهلية المنتشرة في مختلف ولايات السلطنة، والتي تُعد نموذجًا فريدًا في المنطقة من حيث الانتشار والتأثير المجتمعي، غير أن هذه الثروة الكروية تحتاج إلى إعادة توجيه واستثمار علمي، يربطها بمنظومة المنتخبات الوطنية بشكل أكثر فاعلية.

ومن هنا، فإن مهمة السكتيوي لن تقتصر على إعداد منتخب للمنافسة في بطولة أو اثنتين، بل تتجاوز ذلك إلى بناء هوية فنية جديدة تعيد التوازن بين المتعة والنتيجة، وتستثمر المهارة العُمانية ضمن إطار تكتيكي حديث، وهو التحدي الأكبر الذي سيحدد مدى نجاح التجربة.

وكان من المقرر سابقا مشاركة الأحمر في بطولة أذربيجان الودية خلال الفترة من 27 إلى 30 مارس، مرورًا بمعسكر أوروبي في يونيو، ثم سلسلة من المباريات الودية في أغسطس، إلا أن هناك أنباء عن إلغاء هذا البرنامج وفي انتظار البرنامج الذي سيطرحه المدرب المغربي السيكتيوي، قبل الدخول في غمار كأس الخليج وغرب آسيا، وسيكون نجاح هذا البرنامج مرهونًا بمدى قدرة الجهاز الفني على استثمار الوقت، واكتشاف العناصر القادرة على تنفيذ أفكاره داخل الملعب.

ويقف المنتخب العُماني أمام فرصة جديدة لإعادة كتابة تاريخه الكروي، بقيادة مدرب يحمل طموحًا لا يقل عن طموح الجماهير، ويبحث عن تحدٍ جديد يضيفه إلى مسيرته، فيما ينتظر العُمانيون منه أن يعيد "الأحمر" إلى مكانه الطبيعي بين كبار آسيا، وأن يحوّل الحلم المؤجل إلى واقع.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z