د. هبة العطار
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي "السوشيال ميديا" فضاءً بريئًا لتبادل الآراء أو نقل الوقائع، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة صاخبة لإعادة إنتاج السرديات المغرضة، حيث تختلط الحقيقة بالانطباع، والمعلومة بالتحريض، والحق العام بالمصلحة الشخصية، في هذا الفضاء لا تُقاس القيمة بمدى الصدق، بل بمدى الانتشار، ولا يُكافَأ التدقيق، بل تُكافَأ الإثارة.
على خلاف الإعلام الرسمي أو القنوات ذات الثقل المهني، التي تخضع لمنظومات تحقق ومساءلة ومعايير تحريرية واضحة، تتحرك السوشيال ميديا بمنطق الاتساق الأعمى مع المزاج العام، لا مع الحقيقة، فالمعلومة لا تُنشر لأنها صحيحة، بل لأنها قابلة للتداول، ولأنها تخدم حالة انفعالية جمعية تبحث عن تفريغ، لا عن فهم.
المشكلة الأخطر لا تكمن في الخطأ بحد ذاته، بل في قسوة التبرير التي ترافقه، إذ أصبح تشويه الوقائع فعلًا مقبولًا، بل مبررًا، طالما أنه يُقدَّم تحت لافتة الرأي العام أو الضغط الشعبي، وهنا تنتقل السوشيال ميديا من كونها أداة تعبير، إلى أداة ضغط غير منضبطة، تُستخدم أحيانًا لتوجيه صناع القرار عبر تضخيم سرديات انتقائية، لا تمثل الحقيقة بقدر ما تمثل نزعات أصحابها وأغراضهم الشخصية.
في هذا السياق، يُطلب من المتلقي أن ينضج الحقائق المشوهة، لا أن يكتشفها، أن يعيد صياغة الأكاذيب لتبدو معقولة، وأن يتعامل مع الشائعات بوصفها مادة للنقاش، لا موضوعًا للتفنيد، وهنا يحدث الانزلاق الأخطر، حين يتحول الوعي العام من البحث عن الحقيقة إلى التكيف مع الزيف، ومن مساءلة الخطاب إلى تبرير وجوده.
إن عزوف الإعلام الرسمي عن الانسياق وراء هذا التيار لا يُعد ضعفًا أو انفصالًا عن الواقع، كما يُصوَّر أحيانًا، بل هو في جوهره موقف مهني وأخلاقي، فالإعلام المسؤول لا يلهث خلف الضجيج، ولا يساوم على الحقيقة من أجل التفاعل، لأنه يدرك أن دوره ليس مضاعفة الصوت، بل تنقيته، وليس ملاحقة الغضب، بل تفسير أسبابه في إطار معرفي متوازن.
ما يحدث اليوم هو شكل من أشكال العبث العام؛ حيث تُستبدل المعايير المهنية بالهاشتاج، وتُختزل القضايا المركبة في جمل انفعالية، ويُدفع الرأي العام إلى مواقف حادة دون سياق أو معلومات مكتملة، عبث لا يهدد فقط صورة الإعلام؛ بل يهدد وعي المجتمع نفسه، حين يُبنى القرار على ضغط مشوه، لا على معرفة رشيدة.
إن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالإنكار أو القطيعة مع السوشيال ميديا، بل بإعادة تعريف دورها، ووضعها في حجمها الطبيعي كوسيط، لا كمرجعية، وكمنصة للنقاش، لا كمصدر وحيد للحقيقة، كما تتطلب ترسيخ ثقافة إعلامية نقدية، تُمكّن الجمهور من التمييز بين الخبر والموقف، وبين الحقيقة والتوظيف.
وتظل الحقيقة أثقل من أن تُحمل على أكتاف المنصات العابرة، وأعمق من أن تختصرها موجة "ترند"، والإعلام حين يكون رصينًا لا يستجيب للابتزاز العاطفي، ولا يخضع لمنطق العبث، لأنه يدرك أن أخطر ما يمكن أن يُفقد المجتمع، ليس الخبر، بل البوصلة، وحين تُفقد البوصلة لا يعود الضجيج دليلًا، ولا الكثرة معيارًا، ولا الضغط ضمانًا للعدالة، بل يصبح الصمت المهني أصدق من ألف صرخة زائفة، ويغدو التمهّل مسؤولية، والتدقيق واجبًا، ومقاومة الانسياق فعل وعي لا ترفًا نخبويًا، فالمجتمعات لا تُدار بالانفعال، ولا تُبنى بالترند، بل تُحمى حين تُصان الحقيقة من العبث، ويُعاد للعقل موقعه قبل الصوت.
