بعد أن وصلت الصواريخ إلينا.. هل يبدأ القلق النووي؟

 

 

 

 

عبدالنبي الشعلة **

 

بعد ما تعرضت له دول الخليج العربية في الأيام الأخيرة من هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يعد من المستغرب أن يتساءل كثير من الخليجيين بمرارة: الآن فقط أدركنا لماذا، ولمن كان النظام الإيراني يطوّر ترسانته الصاروخية وأسرابه المتراكمة من الطائرات المسيّرة طوال السنوات الماضية.

فقد اعتاد العالم، طوال العقدين الماضيين، أن يتابع بقلق تطور البرنامج الصاروخي الإيراني، وتصاعد قدرات الطائرات المسيّرة التي باتت أحد أبرز أدوات الحرب الحديثة. لكن ما حدث خلال الأيام الأخيرة أعطى لهذه المخاوف بعدًا جديدًا بالنسبة لشعوب الخليج، بعدما وجدت نفسها، للمرة الأولى بهذا الشكل المباشر، في مرمى هذه الترسانة.

ولعل ما زاد من حدة القلق هو أن حجم ما وصل إلى دول الخليج من صواريخ وطائرات مسيّرة منذ اندلاع الحرب كان- بحسب ما تنقله التقارير الرسمية وشهادات المراقبين- أكبر بكثير مما وصل إلى إسرائيل نفسها. وهو أمر يضع هذه الدول في موقع شديد الحساسية والخطورة.

غير أن مصدر القلق الخليجي لا يقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة وحدها، بل يمتد أيضًا إلى البرنامج النووي الإيراني وما يحيط به من غموض وتساؤلات. فالتقارير الدولية تتحدث منذ سنوات عن توسع عمليات تخصيب اليورانيوم وارتفاع نسبته إلى مستويات تقترب من العتبة العسكرية، وهو ما يثير مخاوف متزايدة من إمكانية تحول هذا البرنامج- في لحظة سياسية معينة- إلى برنامج لإنتاج السلاح النووي.

وقد زاد من هذه المخاوف ما يتردد أحيانًا في بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية من حديث عن قدرة إيران التقنية على إنتاج عدد من القنابل النووية خلال فترة زمنية قصيرة إذا ما اتخذ القرار السياسي بذلك. وحتى وإن كان مثل هذا الحديث يدخل في إطار الحرب النفسية أو المبالغة الإعلامية، فإنه يظل كافيًا لإثارة القلق في منطقة تعيش أصلًا فوق واحدة من أكثر بؤر التوتر حساسية في العالم.

وتكتسب هذه المخاوف بعدًا خاصًا بالنسبة لدول الخليج العربية بسبب الواقع الجغرافي الفريد للمنطقة. فإيران ليست دولة بعيدة تقع خلف محيطات أو قارات، بل هي جار ملاصق تفصلها عن بعض الدول الخليجية مسافة بحرية قصيرة لا تتجاوز في بعض المناطق عشرات الكيلومترات فقط.

وقد رأينا في الأيام الأخيرة كيف يمكن للصواريخ أن تعبر هذه المسافة القصيرة في دقائق معدودة، أحيانًا قبل أن يتسنى إطلاق صفارات الإنذار في الوقت الكافي. وهو واقع يضع شعوب الخليج في مواجهة مباشرة مع أي تصعيد عسكري محتمل في المنطقة.

لكن الأخطر من ذلك كله هو البعد البيئي والوجودي المرتبط بأي حادث نووي محتمل في الخليج. فدول الخليج العربية تكاد تكون المنطقة الوحيدة في العالم التي تعتمد اعتمادًا شبه كامل على تحلية مياه البحر لتأمين احتياجاتها من المياه العذبة للشرب والزراعة وسائر الاستخدامات الحيوية.

ولا توجد في هذه الدول أنهار طبيعية يمكن الاعتماد عليها، كما أن المياه الجوفية محدودة، والأمطار قليلة ونادرة. ولذلك فإن أي تلوث إشعاعي محتمل لمياه الخليج- سواء نتيجة حادث نووي أو تسرب إشعاعي- قد يشكل كارثة بيئية وإنسانية تهدد الأمن المائي لملايين البشر.

ومن هنا يمكن فهم سبب الحساسية البالغة التي ينظر بها الخليجيون إلى مسألة انتشار المفاعلات النووية ومحطات التخصيب في الأراضي الإيرانية، بما في ذلك المفاعلات القائمة على الساحل الإيراني.

ولا يقل خطورة عن ذلك احتمال أن يؤدي امتلاك أي دولة في المنطقة للسلاح النووي إلى إطلاق سباق تسلح نووي إقليمي قد تجد دول أخرى نفسها مضطرة للدخول فيه، دفاعًا عن أمنها ومصالحها. وهو سيناريو يحمل في طياته مخاطر هائلة، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضًا من حيث استنزاف الموارد الاقتصادية وتشتيت الجهود التنموية التي تحتاجها شعوب المنطقة.

إنَّ الشرق الأوسط، الذي عانى على مدى عقود طويلة من الحروب والصراعات، لا يحتاج إلى إضافة طبقة جديدة من التوتر تتمثل في الانتشار النووي وسباق التسلح الاستراتيجي؛ بل إن الحاجة اليوم تبدو أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى للعودة إلى لغة العقل والحوار، والعمل الجاد من أجل تخفيف التوترات بدلًا من تصعيدها.

ولعل الخطوة الأولى في هذا الاتجاه تبدأ بوقف إطلاق النار في الحرب الدائرة حاليًا، ومنع اتساعها لتشمل مناطق جديدة وشعوبًا أخرى لم تكن طرفًا فيها.

أما الخطوة الأهم على المدى البعيد، فهي إحياء الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وعلى رأسها الأسلحة النووية، من دون استثناء أي دولة في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل.

الأمن الحقيقي لا يتحقق بتكديس الأسلحة، بل ببناء منظومة إقليمية قائمة على الثقة المتبادلة، واحترام سيادة الدول، والتعاون من أجل التنمية والاستقرار. وربما يكون الدرس الأهم الذي يجب أن نستخلصه من هذه الحرب هو أن استمرار منطق القوة والردع وحده لن يقود المنطقة إلا إلى مزيد من الأزمات. أما الطريق الوحيد نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا فهو إطفاء حرائق الحروب، ووقف سباق التسلح، والعمل بجدية من أجل شرق أوسط أكثر سلامًا وأقل عنفًا وسلاحًا.

** كاتب بحريني

الأكثر قراءة

z