قراءة لحظية حول الأحداث

 

 

 

إسماعيل بن شهاب البلوشي

 

في تاريخ الحروب أمثلة كثيرة تكشف لنا أن فهم ما يجري في زمن الصراع ليس بالأمر البسيط. من أشهر تلك الأمثلة قصة الجندي الياباني هيرو أونودا الذي ظل يقاتل في إحدى جزر الفلبين سنوات طويلة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فقد تلقى أوامر عسكرية واضحة قبل انتهاء الحرب، ولم يصدق لاحقًا أن المعركة قد انتهت، وظل يتصرف وفق التعليمات التي كُلِّف بها، معتقدًا أنه ما زال يؤدي واجبه العسكري.

ويُروى أيضًا أن حالات مشابهة حدثت في جيوش أخرى عبر التاريخ، بما في ذلك بعض الجنود في فترات متأخرة من الدولة العثمانية، حيث بقيت وحدات أو أفراد يتصرفون وفق تصورات وأوامر سابقة رغم أن المشهد السياسي والعسكري كان قد تغير بالفعل.

هذه الأمثلة لا تُذكر هنا للتشبيه المباشر بما يحدث اليوم، وإنما للاستدلال على طبيعة العمل العسكري في أوقات الحروب؛ ففي علم إدارة العمليات العسكرية، لا تعتمد الدول فقط على الاتصال المباشر والمستمر بين القيادة والوحدات. فالحروب الكبرى قد تعطل الاتصالات أو تربك منظومات القيادة والسيطرة. ولهذا تلجأ الجيوش إلى ما يُعرف بالأوامر الثابتة أو المستديمة؛ وهي أوامر تُعطى قبل بدء المواجهة أو في مراحلها الأولى، وتحدد كيفية التصرف في حال انقطاع الاتصال أو تغير الظروف.

في هذه الحالات قد تُكلف عناصر معينة بالاحتفاظ بوسائل محددة أو نشر أدوات عملها في أماكن مختلفة، بحيث تكون جاهزة للاستخدام إذا استدعت الظروف ذلك. وقد تُترك مساحة للتصرف وفق الفكرة العامة للمهمة، دون انتظار توجيه تفصيلي جديد في كل خطوة.

هذه الآلية ليست استثناءً، بل هي جزء معروف من التخطيط العسكري في معظم جيوش العالم.

ومن هنا يمكن فهم جانب من التساؤلات التي يطرحها كثير من الناس اليوم: لماذا تقع أحيانًا ضربات أو عمليات في مناطق لم يكن متوقعًا أن تكون ضمن دائرة الصراع المباشر؟ ولماذا قد تمتد آثار بعض المواجهات إلى مناطق بعيدة نسبيًا عن مركز الأزمة؟

الإجابة ليست بالضرورة أن كل ما يحدث هو قرار سياسي جديد اتُّخذ في تلك اللحظة. ففي أوقات الحروب تتداخل السياسة مع التخطيط العسكري المسبق، وقد تكون بعض التحركات نتيجة أوامر أو ترتيبات وُضعت قبل اندلاع المواجهة، أو استعدادات احتياطية وُضعت تحسبًا لتعطل منظومات الاتصال والسيطرة.

ولهذا فإن القراءة المتأنية للأحداث تقتضي الحذر من التفسيرات السريعة أو الاستنتاجات العاطفية. فالحروب ليست فقط بيانات سياسية أو تصريحات إعلامية، بل هي منظومات معقدة من التخطيط والاحتياط والتوقعات.

وفي هذا السياق يبرز مثال مهم في المنطقة يتعلق بطبيعة العلاقات الإقليمية؛ فكثيرًا ما تُفسَّر العلاقة بين سلطنة عمان وإيران على أنها مجرد توازن سياسي ظرفي أو تناقض في المواقف. غير أن القراءة الأعمق تشير إلى أن هذه العلاقة تقوم بدرجة كبيرة على ثوابت واضحة، أبرزها احترام الجغرافيا، وحسن الجوار، والالتزام بالقانون الدولي، والحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة في منطقة شديدة الحساسية.

وهذا الأمر بالنسبة لدولة راسخة مثل عُمان ليس على حساب علاقاتها مع الاخرين او متغير عابر لذلك هي عمان الثبات والثقة والترفع والحياد الإيجابي الصريح والمعلن للجميع، وقد أثبتت التجربة أن هذا النهج الهادئ والمتزن أسهم في كثير من الأحيان في تخفيف التوترات أو توفير قنوات للحوار عندما كانت المنطقة تمر بأوقات شديدة التعقيد.

إن قراءة الأحداث في زمن الحروب تحتاج إلى قدر كبير من الرصانة والوعي. فليس كل ما نراه وليد لحظته، وليس كل تحرك عسكري انعكاسًا مباشرًا لقرار سياسي جديد. كثير من الوقائع قد تكون امتدادًا لترتيبات سابقة، أو تنفيذًا لتعليمات وضعت تحسبًا لأسوأ الاحتمالات.

لذلك.. فإن القراءة اللحظية للأحداث ينبغي أن تكون قراءة متأنية، تقوم على فهم طبيعة إدارة الحروب، وعلى إدراك أن ما يظهر على السطح ليس دائمًا كل الحقيقة. فالحروب، قبل أن تكون مشاهد تُرى، هي أيضًا خطط تُعد، وتعليمات تُخفى، وأوامر قد تبقى نافذة حتى بعد أن يظن كثيرون أن المعركة قد انتهت.

الأكثر قراءة

z