جان يعقوب جبور
في لبنان، كثيرًا ما تتباعد المسافة بين النص الدستوري والواقع السياسي إلى حد التناقض الصريح؛ فالدستور، بوصفه المرجعية القانونية العليا للدولة، يفترض أن يحدد بوضوح هوية البلاد ومصالحها وسيادتها وعلاقاتها الخارجية، لكن الممارسة السياسية غالبًا ما تتجاوز هذه الحدود، فتتحول بعض الجهات التي يفترض أن تُعد خصومًا أو أعداء وفق منطق السيادة والقانون إلى شركاء أو حلفاء في الحسابات السياسية الضيقة. وهكذا يصبح ما هو "عدو بالدستور" صديقًا في السياسة، في مفارقة تكشف عمق الأزمة البنيوية في النظام اللبناني.
ينص الدستور اللبناني في مقدمته، بعد تعديلاته إثر "اتفاق الطائف" عام 1990، على التزام لبنان بميثاق جامعة الدول العربية وبمواثيق الأمم المتحدة، وعلى رفض التوطين والحفاظ على سيادة الدولة ووحدة أراضيها. كما أن القانون اللبناني، منذ قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، يعتبر إسرائيل دولة عدوة ويمنع أي شكل من أشكال التعامل معها. هذا المبدأ كرّسته أيضًا حالة الحرب القانونية القائمة منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، مرورًا بالاعتداءات المتكررة على لبنان مثل اجتياح عام 1978 ثم الاجتياح الكبير عام 1982 الذي وصل إلى بيروت.
لكن السياسة اللبنانية لم تلتزم دائمًا بهذه المعايير القانونية؛ ففي عام 1983 وُقِّع اتفاق 17 أيار/مايو بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. يومها حاولت السلطة اللبنانية تقديم الاتفاق على أنه خطوة لاستعادة السيادة، بينما رآه كثيرون تطبيعًا سياسيًا وأمنيًا مع عدو ما زال يحتل الأرض اللبنانية. ورغم أن الاتفاق سقط عام 1984 تحت ضغط داخلي وإقليمي، إلّا أنه بقي مثالًا واضحًا على تحوّل العدو القانوني إلى شريك سياسي في لحظة سياسية معينة.
وفي محطات أخرى من التاريخ اللبناني، ظهر هذا التناقض بشكل مختلف. وخلال الحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 و1990، أقامت بعض الميليشيات اللبنانية علاقات عسكرية مباشرة مع إسرائيل، خصوصًا في جنوب لبنان؛ حيث تشكل ما عُرف بـ"جيش لبنان الجنوبي" بقيادة سعد حداد ثم أنطوان لحد. هذا الجيش عمل بالتنسيق الكامل مع إسرائيل حتى انسحابها من الجنوب في أيار/مايو عام 2000. طوال تلك السنوات كان القانون اللبناني يعتبر إسرائيل عدوًا، لكن على الأرض كان هناك تعاون سياسي وعسكري مباشر معها من قبل قوى لبنانية.
المفارقة نفسها تظهر أيضًا في العلاقات مع قوى إقليمية أخرى؛ فالدستور اللبناني يؤكد استقلال لبنان وسيادته الكاملة، لكن الواقع السياسي منذ عقود شهد تدخلًا مباشرًا لقوى إقليمية ودولية في القرار اللبناني. الوجود العسكري السوري في لبنان بين عامي 1976 و2005 مثال واضح. فقد دخل الجيش السوري بداية بقرار عربي تحت مسمى "قوات الردع العربية"، لكنه تحوّل لاحقًا إلى وصاية سياسية كاملة على القرار اللبناني. وعلى الرغم من أن الدستور يفترض سيادة الدولة اللبنانية الكاملة، إلّا أن كثيرًا من القوى السياسية تعاملت مع هذا الواقع باعتباره شراكة سياسية أو ضرورة استراتيجية.
الأمر نفسه ينطبق على النفوذ الدولي، ولا سيما الأمريكي، في محطات مفصلية من تاريخ لبنان. ففي عام 2005، بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير، دخل لبنان مرحلة جديدة من الاصطفافات السياسية الحادة، حيث أصبحت التحالفات الإقليمية والدولية جزءًا أساسيًا من الحياة السياسية اللبنانية. بعض القوى السياسية تبنّت تحالفًا وثيقًا مع الولايات المتحدة والغرب، بينما اصطف آخرون ضمن محور إقليمي تقوده إيران وسوريا. وفي كلا الحالتين بدا أن القرار السياسي اللبناني كثيرًا ما يتأثر بعلاقات خارجية تتجاوز ما يفترضه الدستور من استقلالية القرار الوطني.
حتى في الملفات الأمنية والعسكرية، يظهر التناقض بين النص الدستوري والواقع السياسي؛ فالدستور ينص على أن الدولة وحدها تمتلك حق احتكار السلاح والدفاع عن البلاد، لكن الواقع اللبناني منذ نهاية الحرب الأهلية شهد استمرار وجود قوى مسلحة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي. هذا الواقع تحول إلى موضوع سياسي دائم الانقسام؛ حيث ترى بعض القوى أن هذا السلاح يشكل جزءًا من منظومة الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل، بينما تعتبره قوى أخرى حليفة للغرب خرقًا صريحًا للدستور ومفهوم الدولة.
هذه المُفارقات تجعل السياسة اللبنانية تبدو أحيانًا وكأنها تعمل بمنطق مختلف تمامًا عن منطق الدولة الدستورية. فالتحالفات تتبدل بسرعة، والعداوات تتحول إلى صداقات مؤقتة، والخصومات قد تنقلب إلى شراكات حين تفرض المصالح ذلك. في بلد يقوم نظامه على توازنات طائفية دقيقة، غالبًا ما تُقدَّم التسويات السياسية على حساب المبادئ الدستورية، بحجة الحفاظ على الاستقرار أو منع الانفجار الداخلي.
وهكذا يبقى لبنان مثالًا لدولة يعيش فيها النص الدستوري في مكان، والممارسة السياسية في مكان آخر. فالعدو في القانون قد يصبح صديقًا في السياسة، والصديق قد يتحول إلى خصم في لحظة تبدل موازين القوى. وبين هذين العالمين المتوازيين يقف المواطن اللبناني أمام دولة ضعيفة تبدو أحيانًا عاجزة عن تحويل دستورها إلى واقع فعلي، ويبقى السؤال المفتوح: هل يمكن يومًا أن تتطابق السياسة مع الدستور، أم أن التناقض بينهما أصبح جزءًا دائمًا من الحياة السياسية اللبنانية؟
