سالم بن حمد الحجري
لم تكن صدمة الثامن والعشرين من فبراير الماضي مجرد انفجار عسكري مُفاجئ؛ بل كانت تجسيدًا لسيناريو "التخدير الاستراتيجي" الذي أُدير بخبث خلف كواليس الدبلوماسية، فبينما كان وزير الخارجية العُماني معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي يُبشِّر في جنيف بـ"تقدم ملموس" في الجولة الثالثة من المُفاوضات النووية، كانت القاذفات الأمريكية الثقيلة ترسم مساراتها نحو أهدافها داخل العمق الإيراني.
المسار التفاوضي لم يكن سوى ستار دخاني قبل ضربات "قطع الرأس"
القراءة المتأنية لمسرح العمليات تشي بأنَّ المسار التفاوضي لم يكن سوى ستار دخاني استُخدم لتنويم أجهزة الرصد الإيرانية وتحديد إحداثيات القيادة في لحظة "اجتماع مصيرية"، قبل توجيه ضربات "قطع الرأس" التي استهدفت كيان الدولة بأسره. لقد سقطت العقلية العسكرية الغربية في فخ الغطرسة التقنية، معتبرة أن عقودًا من الخنق الاقتصادي عبر العقوبات قد حوّلت إيران إلى "ثمرة ناضجة" مهيأة للسقوط بمجرد غياب رأس الهرم.
مثَّلت العقوبات الاقتصادية التراكمية منذ عام 2006 التمهيد الناري غير المباشر لهذه الحرب. لم تكن الأرقام الاقتصادية مجرد مؤشرات فنية بالنسبة لصانع القرار في واشنطن وتل أبيب؛ بل كانت "خارطة طريق" تشير إلى تهالك الجبهة الداخلية. لقد قرأت أجهزة المخابرات الانهيار في الصادرات النفطية (من 2.5 مليون إلى أقل من 500 ألف برميل يوميًا) وانكماش الناتج المحلي الإجمالي من 445 مليار دولار إلى ما دون 300 مليار دولار، كدليل قطعي على أن الدولة الإيرانية فقدت قدرتها على الصمود الاستراتيجي الطويل.
بَنَتْ الإدارة الأمريكية قرارها بشن الحرب على إيران بناءً على افتراضات استراتيجية؛ منها: ضعف قُدرة النظام الإيراني على خوض حرب استنزاف، وأن ضربة عسكرية مُركَّزة على رأس النظام ومقرات الحرس الثوري كفيلة بإحداث انهيار متسارع في غضون ثلاثة أيام، كما أن الافتراض بخروج انتفاضة شعبية عارمة في شوارع المدن الكبرى (كما حدث في ديسمبر-يناير 2025) كفيل بإحداث فوضى تُربك النظام وتُشتِّته، فضلًا عن أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت مقتنعة تمامًا بأن النظام الإيراني سوف يستسلم سريعًا ليتجنب الانهيار التام، إلّا أن ذلك لم يحدث، وما بناه التحالف الأمريكي الإسرائيلي من تقديرات لا يعدو سوى مُغامرة عسكرية غير محسوبة العواقب.
القراءة الرصينة لمسار الحرب تؤكد أن التحالف سقط في فخ سوء التقدير؛ فبعد ساعتين فقط من الضربات الجوية، أطلقت طهران عملية "الوعد الصادق 4"، التي لم تكن مجرد رد رمزي، بل زلزال عسكري استهدف 14 قاعدة أمريكية، وعلى رأسها مقر الأسطول الخامس في البحرين وقواعد عسكرية في قطر والإمارات والكويت وأربيل، وصولًا إلى قلب تل أبيب وحيفا.
ولم يتوقف الرد الإيراني عند الحدود الصاروخية، بل نفذت مجموعة "هاندالا" هجومًا سيبرانيًا كاسحًا استهدف شركة (Stryker) الأمريكية للرعاية الصحية، في استراتيجية واضحة لـ"نقل الألم" إلى الداخل الأمريكي. وفي حين راهنت واشنطن على تأليب الشارع، جاءت حادثة قصف مدرسة البنات في "ميناب" (هرمزجان)، التي راح ضحيتها أكثر من 160 طالبة، لتشكل نقطة تحول وجدانية؛ حيث تحولت الجنازات إلى تظاهرات مليونية للالتفاف حول الدولة، مما أجهض رهان "الانقلاب الشعبي". لقد أثبت الواقع أن النظام الأيديولوجي يزداد تماسكًا تحت التهديد الوجودي، مما نقل الصراع من مواجهة موضعية إلى أزمة طاقة كونية.
بشعار "عليَّ وعلى أعدائي"، نفذت طهران تهديدها بإغلاق مضيق هرمز، مُعلنةً تحويل الممر الملاحي الأكثر حيوية في العالم إلى "منطقة عمليات محترقة". ولم يكن الإغلاق سياسيًا فحسب، بل شمل هجمات ميدانية موثقة على ناقلات النفط التي حاولت العبور، مما أدى لشلل كامل في حركة مرور ثلث تجارة النفط العالمية.
إن تداعيات إغلاق المضيق على الأمن العالمي تمثلت في الشلل شبه التام في إمدادات الطاقة المتجهة إلى شرق آسيا (الصين، الهند، اليابان)، مما وضع هذه القوى تحت ضغط اقتصادي هائل أدى إلى انفجار أسعار الطاقة في العالم؛ حيث قفزت أسعار النفط لتتجاوز حاجز الـ144 دولار للبرميل؛ مما يُنذر بموجة تضخم عالمية غير مسبوقة وتوقف الإنتاج في عدة قطاعات صناعية دولية. كما تسبب ذلك في تعطُّل سلاسل الإمداد وتوقف حوالي 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية، علاوة على ارتفاع جنوني في تكاليف التأمين البحري، مما دفع دولًا كبرى للمطالبة بوقف الحرب فورًا.
إن تقييم فرص "تغيير النظام" يظل معقدًا؛ فإسقاط نظام مؤسسي بعمق إيران يتطلب "غزوًا بريًا" شاملًا وهو ما لا تمتلك واشنطن الرغبة أو القدرة عليه حاليًا. ورغم الضربات العنيفة التي تلقتها مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية للنظام إلا أن القبضة الأمنية الداخلية عبر شبكات "الباسيج" والالتفاف القومي ضد العدوان الخارجي فضلًا عن سرعة تعيين مرشد أعلى جديد لإيران شكَّل حائط صد أمام الانهيار التلقائي. وسقوط النظام لا يمكن أن يحدث إلّا بزلزال يُفكِّك النواة الصلبة من الداخل، وهو ما لم يتحقق حتى في ذروة القصف الجوي. كما يُثبت المشهد أن العقوبات الاقتصادية لم تكن أداة للسلام؛ بل كانت الوقود الذي أشعل حربًا بلا رابحين. لقد دخلت المنطقة مرحلة "إعادة رسم الخرائط بالبارود"؛ حيث لم تعد الأهداف والذرائع تفكيك البرنامج النووي هي المحرك الوحيد، بل صراع الوجود والنفوذ.
وتشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن الحرب قد تتجه نحو توقف اضطراري في أسبوعها الثالث "لحفظ ماء الوجه" عبر وساطات تقودها قوى إقليمية ودولية (عُمان، تركيا، روسيا)، وإن أي اتفاق مستقبلي سيخرج إيران منهكة اقتصاديًا، لكنها ستكون أكثر صلابة عسكريًا ونوويًا بعد أن كسرت محرمات الاشتباك المباشر مع واشنطن. لقد انتهى زمن "الصبر الاستراتيجي" وبدأ زمن "الاشتباك الوجودي"، والمنطقة التي ستخرج من هذا الصراع لن تشبه أبدًا تلك التي كانت قبل الثامن والعشرين من فبراير.
