◄ الإمام سيف بن سلطان اليعربي "قيد الأرض" توفي في 4 رمضان 1123هـ
◄ العُمانيون شيّدوا أعظم عمائرهم التحصينية في عصر الأئمة اليعاربة
◄ "الصباحات" خط الدفاع الأول عن القلعة وباحات استقبال لزوّار الإمام
◄ أودية الرستاق تتميز بجمالها الآسر وروعة مشاهد الطبيعة البكر
◄ وادي بني غافر يشقّ الرستاق بحوافه الفياضة بالجمال وأشجار النخيل الباسقة
◄ وادي الحوقين نهرٌ طبيعيٌّ دائمُ الجريان طوال العام بامتداد 37 كيلومترًا
◄ "عين الكسفة".. أنموذج للسياحة العلاجية يستقطب الزوار من كل مكان
◄ "قيد الأرض" قاد جهود مواجهة الاستعمار البرتغالي دون هوادة
الرؤية- ناصر أبوعون
هناك وفي حضن المروج الخضراء وتحت سفح الجبل الأخضر، وتدرجًا باتجاه سهول جنوب الباطنة، وعلى مشارف مزارعها الغنّاء، شيّد العُمانيون أعظم عمائرهم التحصينية في عصر الأئمة اليعاربة ما بين (1624م- 1649م)؛ حيث تقف القلعة المهيبة ذات البوابات العتيقة، على أنقاض الخرابات التي خلّفها الفرس سنة 1250م بمساحة كلية 2700 متر مربع؛ منها: 60 مترًا طولا، و45 مترًا عرضًا، وبارتفاع ثلاثة طوابق تضم مسجدًا كان الإمام اليعربيّ سيف بن سلطان بن سيف يؤم جنوده العُمانيين الأشاوس، إضافة إلى مخازن للسلاح وغُرفةً للإمام، وأخرى للحراس والجنود.
ومما يلفت النظر لعبقرية البَنَّاء العُماني القديم اهتمامه بتصميم (صباحات القلعة)، وهي (البوابات العتيقة) ذات المداخل الواسعة الرحبة. وفي قلعة الرستاق أنشأ المعماريّ العُماني أربع (بوابات/صباحات)، ووظيفتها التحصينية تتمثل في أنها خط الدفاع الأول عن القلعة، وباحات استقبال لزوّار الإمام من الوجهاء والأعيان ورجال الدولة، وهي: صباح السرحة، وصباح اليعاربة، وصباح العلعال، والصباح الأوسط.
الجدير بالذكر أنّ قلعة الرستاق كان فيها ثلاثة أبراج تحصينية فقط؛ ثم أضاف إليها الإمام أحمد بن سعيد برجًا رابعًا حديثًا بارتفاع 11.50 مترًا، ويعلوه 80 مثلثًا تجميليًا. أما الأبراج الثلاثة الأخريات؛ فهي (برج الشياطين)، وقطره 6 أمتار، وقد شيّد قيد الأرض الإمام سيف بن سلطان اليعربي على ارتفاع 18.50 مترًا، ويحيط سوره التحصينيّ خمسة مثلثات تجميلية. و(برج الريح) على ارتفاع 12 مترًا، ويحيط سوره التحصينيّ مئة مثلث تجميليّ، ويحوي قبر الإمام سيف بن سلطان اليعربيّ، وكأنه بناه ليكون حصنًا في حياته، وقبرًا يضم أعظمه بعد مماته- رحمة الله عليه-، والبرج الأخير ويسمى (الأحمر) بقطر 9.50 أمتار، وعلى ارتفاع 16 مترًا.
ومرات كثيرة زرتُ الرستاق بصحبة الشيخ سالم العبري، وتنقلنا بين أوديتها التي أسرتنا بجمالها، وروعة مشاهد البِكر الخلابة، والطبيعة التي صنعها الله على يديه، ولم تلوثها يد بشر، ولم يقصمها عمران عشوائي، وعلى امتداد 60 كيلومترًا يشقّها وادي بني غافر بحوافه الفياضة بالجمال، وأشجار النخيل الباسقة. وأما "وادي الحوقين" فهو أجمل أودية الرستاق على الإطلاق الذي تهبط منه الشلالات فتحيله إلى نهر طبيعيّ دائم الجريان طوال العام بامتداد 37 كيلومترًا. وفي وادي السحتن الذي أنزل فيه ضيفًا بصفة دائمة، وأتذوق ثمار المانجو وأستظل بدوالي أعنابه، وثمرات نخيله، وهو يمتد بمسافة 43 كيلومترًا، ومنه أنزل إلى وادي بني عوف المتحدّر من (بلد سيت) وعلى امتداد مجراه الذي يبلع 26 كيلو مترًا تحفه أشجار النخيل والموز، والنباتات العلفيّة، وأصعد منه إلى الجبل الشرقي باتجاه استراحة الهوتة في طريق ترابي يتلوى فوق طريق جبليّ حاد الانزلاق يرتاده السائحون ومحبو المغامرات، هذا فضلا عن ثلاث أودية صغيرة أخرى هي: (حاجر بني عمر)، و(الحيملي) و(الهناوي).
ولمحبي الاكتشافات يمكنهم زيارة (كهف السنقحة) بوادي الحوقين، فضلًا عن 129 كهفًا صغيرًا، والصعود بسيارات الدفع الرباعي إلى (الجبل الأخضر)، والصعود إلى (جبل شمس) وهو أعلى قمة في الخليج العربيّ، وأول نقطة تطلع عليها الشمس وهذا سر تسميته، فضلا عن جبل (ضوي)، وجبل (المارات). أما عشّاق السياحة العلاجية والاستشفائية يمكنهم زيارة أهم عين مياه معدنية دائمة الجريان والفوران ذات الحرارة العالية نسبيًا وتسمى (عين الكسفة) فضلا عن عيون (الحويت) و(الخضراء) و(الزرقاء) و(الشرجة)، و(النزوح) و(حمحم) و(الصائغي)، فضلا عن 281 فلجًا، أشهرها (فلج الميسر) الذي تمّ ضمه لقائمة التراث العالمي سنة 2006م.
ويعتمد سكان ولاية الرستاق على الأفلاج، ويوجد بها أنواع أفلاج عُمان الثلاثة؛ العدية والعينية والغيلية. ويبلغ عددها 294 فلجًا؛ منها: 281 فلجًا حيًا. وأشهر أفلاج الولاية الميسر الذي ضُم إلى قائمة التراث العالمي عام 2006م.
ومن خلال هذه الإطلالة على ولاية الرّستاق نستطلع شخصية عُمانية مؤثرة في تاريخ عُمان ورمز فخار لكل عُماني، وهو الإمام اليعربيّ سيف بن سلطان بن سيف الملقّب بـ"قيد الأرض" (1104–1123هـ / 1692–1711م)، والذي توفي في الرابع من شهر رمضان سنة 1123هـ، الموافق 15 من أكتوبر 1711م، بعدَ حكمٍ دامَ قرابةَ تسعةَ عشرَ عامًا، خلَّفَ خلالَها دولةً قويَّةَ الأركان، راسخةَ النفوذ، ومكانةً تاريخيةً في سجلِّ التاريخِ العُماني.
لم يكن الإمام سيف بن سلطان بن سيف يهتم بالجوانب العسكرية فقط في تحصين أركان دولته؛ بل أولى اهتمامًا منقطع النظير بالجوانب العمرانية والاقتصادية؛ لأنها من وجهة نظره هي خط الدفاع الأول؛ فحفر الآبار، وشق الأفلاج، وووسّع مساحة الأراضي الزراعية، وبنى القلاع والحصون، واهتم بالتجارة عبر البحار، مما نتج عنه استقرار اجتماعي وازدهار اقتصادي.
وبعد أن تولى الحكم سنة 1692م، انتهج سياسة مواجهة الاستعمار البرتغالي عسكريًا ودون هوادة أو مفاوضات، يدعمه أسطول بحريّ قوي ساعده على تطويق طرق التجارة البحرية وإضعاف الوجود البرتغالي في المحيط الهندي
وكان من أهم إنجازاته العسكرية محاصرته لقلعة البرتغاليين في (ممباسا) لمدة ثلاثة وثلاثين شهرًا ما بين 13 مارس 1696م إلى 14 ديسمبر 1698م، وسقطت على إثره، وكرّس بعدها للنفوذ العُماني في شرق إفريقيا، وكان نواة لإمبراطورية عُمانية فرضت قوتها ووجدها في المساحة الممتدة من عُمان إلى زنجبار.
ويُعد سيف بن سلطان بن سيف اليعربي رابع أئمة دولة اليعاربة أعظم حُكّام عُمان لاتساع نفوذه الداخلي والخارجي؛ حيث أضحت الدولة العُمانية في عصره في أوج قوتها الاقتصادية والعسكرية؛ وذلك لشدة هيبته وحسن تخطيطه، وقوة بأسه.
*******
المراجع والمصادر:
- السالمي، نور الدين عبد الله بن حميد
تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان. - ابن رزيق، حميد بن محمد
الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين - الكندي، محمد بن أحمد
بيان الشرع، إشارات تاريخية إلى أئمة اليعاربة. - الهنائي، سيف بن حمود
دولة اليعاربة في عُمان، وزارة التراث والثقافة. - Lorimer, J. G.
Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia، (للتاريخ البحري والنفوذ العُماني). - Bhacker, M. Reda
Trade and Empire in Muscat and Zanzibar، دراسات عن النفوذ العُماني في شرق أفريقيا.
