عائض الأحمد
في منتصف السبعينيات الميلادية كان الفن الشعبي المتنفس الوحيد، وكنَّا نردد بعض الألحان والكلمات التي تشبه الأمثال في بساطتها وصدقها. لا أعلم لماذا تذكرت تلك الحقبة الآن، ولعله توارد خواطر مرّت مع الزمن فوجدت ما يوقظها فعادت. كنا نشدو مع ذلك الشادي:
"دخلت السوق مالي فيه حاجة وأنا في السوق مالي حظ طيب شفت اللي رفع ليا حجاجه سلب عقلي وأنا منه قريب".
لم يكن السوق سوى مكانٍ عابر، تدخله بدافع الفضول، وتخرج منه بقصةٍ أو ابتسامة.
اليوم… دخلنا فضاء الرغبة فعلًا، لكننا لم نخرج.
لم يعد المكان مجرد سوق، بل صار حالة. تطبيقًا في الهاتف، إشعارًا أحمر، عرضًا "لفترة محدودة" لا ينتهي، وحاجةً تُصنع في داخلنا قبل أن تُعرض أمامنا. لم نعد نشتري لأننا نحتاج، بل نحتاج لأننا رأينا.
في ذلك الزمن كان الدخول إلى ذلك المكان احتمالًا، أما اليوم فهو فخٌّ مُصمَّم بعناية.
سطوة العروض التي تُشبه الكرم، لكنها كرمٌ مشروط ببطاقة ائتمان.
بريق التغليف الذي يفوق قيمة المحتوى.
قدرة عجيبة على إقناعك أن حياتك ناقصة… حتى تقتني ما لم تكن تفكر فيه قبل دقيقة.
صرنا نقنع أنفسنا أن الاستهلاك مكافأة.
نتعب فنشتري.
نحزن فنشتري.
نحتفل فنشتري.
حتى الملل صار له منتج.
الاستهلاك في جوهره ليس خطيئة، لكنه حين يفقد ميزانه يتحول إلى هوية. لم يعد السؤال: ماذا أحتاج؟ بل: ماذا ينقص صورتي أمام الآخرين؟
صرنا نقيس الرضا بعدد الصناديق، ونقيس النجاح بحجم المشتريات، ونقيس الفرح بسرعة الشحن.
المؤلم أن منظومة الاستهلاك لم تعد تبيع سلعًا فقط، بل تبيع شعورًا مؤقتًا بالقيمة. نشتري لحظة انتشاء، ثم نعود نبحث عن غيرها.
تمتلئ الأيدي… ويزداد فراغ القلب.
المشكلة ليست في السوق… بل فينا حين دخلناه بلا حاجة وبقينا فيه بلا وعي.
الاستهلاك غير المقنن ليس رفاهية، بل استنزاف صامت؛ يستنزف الدخل، ويستنزف القناعة، ويستنزف معنى الاكتفاء.
هل نحن بحاجة إلى فنانٍ شعبيٍّ آخر يذكّرنا بأن ذلك المكان إن دخلته بلا حاجة خرجت منه بلا رضا؟
أم أننا بحاجة إلى وعيٍ لا تُغريه اللافتات، ولا تحرّكه التخفيضات؟
ليست القضية أن السوق تطوّر، فهذا شأنه.
القضية أن قدرتنا على المقاومة تراجعت. كان قديمًا ساحةً نختبر فيها قدرتنا على الاختيار، أما اليوم فنختبر فيه القدرة على الاكتفاء.
السوق سيبقى، والعروض ستزداد، والإعلانات ستتقن مخاطبة ضعفنا أكثر مما نتقن نحن حراسة قناعتنا.
لكن تبقى جملة قديمة تستحق أن تُقال كلما هممنا بالدخول:
دخلت السوق… فهل لي فيه حاجة؟
لها: ليس بالضرورة أن نأخذ ونعطي بالقدر نفسه؛ فلكلٍّ حاجته وقدرته. وإلا كنَّا نزرع في غير أرضنا، ونرويه بماء الآخرين، ثم نتعجب إن لم يُثمر كما نشتهي.
شيءٌ من ذاته: أعطيك أكثر من حاجتك، فتظن مع الوقت أنها ملكك. عندها لا يمنعك عقل، ولا يُعيدك منطق. هكذا تفعل بنا الوفرة حين لا يضبطها وعي؛ تُحوّل العطاء إلى استحقاق، والرغبة إلى حقٍّ مكتسب.
نقد: ليست لك وحدك… فلا تظن أنَّك المقصود بكل نداء، واعلم أنَّ تعدد المشارب رحمةٌ بنا، وأن الاتزان فضيلةٌ لا يروّج لها إعلان مسبق.
