كيف تُمرِّر الدول رسائلها عبر "التسريبات"؟

 

 

د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **

في قاموس العلاقات الدولية، لا تُعدّ التسريبات حوادث طارئة بقدر ما هي أدوات مدروسة بعناية. فالدولة التي ترغب في إيصال رسالة حسّاسة إلى خصم أو حليف تميل إلى الطريق غير المباشر؛ لا بيانًا رسميًا، بل "تسريبًا" يسلك القناة المناسبة، ثم يعود محمّلًا بردود الفعل التي يُريد صانع القرار قياسها من بعيد.

بالونات اختبار بلا توقيع حكومي: يعمل التسريب هنا كـ"بالون اختبار"؛ حيثُ تُمرَّر معلومة أولية إلى وسيلة إعلام موثوقة، أو صحفي مخضرم، أو منصة معروفة بالدقة. تُنشر التفاصيل، فتلتقطها العواصم المعنية وتعلن اعتراضاتها أو إشارات ارتياحها. وخلال ذلك، تبقى الحكومة قادرة على الإنكار: "لم نُصرّح بذلك رسميًا". هذه المنطقة الرمادية تمنح صانع القرار وقتًا لقياس المخاطر، وتتيح تعديل المقاربة قبل تحويلها إلى التزام مُعلن صريح.

قنوات متعددة لهدف واحد: تقليديًا، تمثّل غرف الأخبار والصحافة الدولية الممر الأكثر شيوعًا لتدوير التسريبات. لكن الزمن أضاف بدائل فعّالة: مراكز أبحاث استراتيجية تصدر أوراقًا ودراسات "غير رسمية" تتضمن مُعطيات حسّاسة، حسابات شبه معروفة على منصات التواصل، أو حتى "تسجيل غير مقصود" لمسؤول سابق يُستخدم كجسر آمن. لكل قناة وظيفة محددة؛ استخدام صحيفة واسعة الانتشار لإحداث صدمة وصناعة زخم، مركز دراسات رصين لتغليف الرسالة بعبارات تقنية، وتسريب رقمي سريع لتوليد ضجيج مقصود ثم تركه يتلاشى بعد أداء مهمته.

هندسة الكلام وقابلية الإنكار: تُصاغ الرسالة بحيث تبقى بلا صاحب. غالبًا ما يُقدَّم المحتوى مجزّأ غير مكتمل: جزء موثوق يثبت الجدية، وآخر مُبهم يبقي الأبواب مفتوحة. هكذا تُبنى "قابلية الإنكار"؛ حيثُ لا ألفاظ قاطعة، ولا مصادر مُعلنة، ولا وثائق كاملة. وحتى حين تكون المعلومة حاسمة، تُزرع داخل سياق تحليلي يجعلها تبدو اجتهادًا بحثيًا أو فرديًا لا توجهًا أو توجيهًا رسميًا. الهدف واحد وهو إيصال الرسالة بلا توقيع.

بين الردع والتضليل: ليست كل التسريبات للنصح أو جسّ النبض. أحيانًا تُستخدم للإرباك، لرفع كلفة قرار الخصم، أو لإظهار امتلاك معرفة استخباراتية دون كشف مصادرها. وقد يمتزج الردع بالتضليل؛ يُلقى خيط معلومات يقود الخصم إلى تقدير خاطئ للوقت أو النية. الفاصل بين التسريب المفيد والخطر هو دقّة التوقيت وحسن تقدير أثره على سلوك الطرف الآخر.

التوقيت يصنع الفارق: للتسريب إيقاعه الخاص؛ ما يُقال قبل قمة أو تصويت برلماني أو قبل إعلان عقوبات أو مقاطعة ليس كالمعلومة ذاتها بعد الحدث. اختيار اللحظة المناسبة يضاعف التأثير، ويحوّل التسريب من خبر عابر إلى أداة ضغط تُعيد تشكيل الحسابات والمواقف.

خلاصة القول.. وفق هذه المعادلة، فإن لغة الظل التي تُتقنها الدول؛ حيثٌ تقول ما تريد أن يُفهَم، وتتجنب ما قد يُلزِم. إنها ممارسة دبلوماسية منخفضة الضجيج عالية التأثير، ترتكز إلى ثلاثية ثابتة: توقيت محسوب، قناة مختارة بعناية، وصياغة تضمن الإنكار عند الحاجة. هكذا تُصنع السياسة بين السطور، وتُدار الأزمات بعبارات لا تحمل توقيعًا لكنها تحمل المقصود كاملًا.

** باحث أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z