كيف تنقلب المبادئ العسكرية والوطنية في لبنان؟

 

 

 

جان يعقوب جبور

هذه المقالة تنبع من رؤية عميقة في داخلي كيف أن البزة العسكرية ولحمتها الوطنية تنكسر في زواريب السياسة اللبنانية وتدخُّل السياسة الخارجية لتُبعدها عن مبادئها وشعبها ووحدة أراضيها، مع العلم أن لعنة الكراسي والمراكز والطائفية والمحاصصة والتبعية تغلب أي حس وطني جامع (مع حفظ الألقاب لكل الشخصيات المذكورة أدناه).

منذ تأسيس دولة لبنان الكبير، بقي الجيش اللبناني المؤسسة الوحيدة التي حاولت الحفاظ على صورة "الحياد الوطني" وسط انهيارات السياسة والطائفية والمحاور الخارجية. لكن المفارقة السياسة اللبنانية تكمن في أن المؤسسة العسكرية التي تُقدَّم دائمًا كرمز للانضباط والوطنية، تحولت مرارًا إلى معبر إلزامي نحو قصر بعبدا، حتى بات اللبنانيون يتساءلون: هل يصل قائد الجيش إلى الرئاسة لأنه فوق السياسة، أم لأنه يصبح جزءًا منها في اللحظة المناسبة؟

التجربة اللبنانية مع الرؤساء القادمين من المؤسسة العسكرية تكشف أن الانتقال من الثكنة إلى القصر لم يكن يومًا انتقالًا تقنيًا أو إداريًا فقط، بل انتقالًا عميقًا من منطق العقيدة العسكرية إلى منطق التسويات والتحالفات وتبادل المصالح. وهذا ما ظهر بوضوح مع عهود إميل لحود وميشال سليمان وميشال عون، ويبدأ اللبنانيون اليوم بقراءة ملامحه بقوة مع جوزاف عون.

عندما وصل إميل لحود إلى الرئاسة عام 1998، جرى تسويقه كرجل "محاربة الفساد" وإعادة بناء الدولة بعد مرحلة الحرب. كان قائدًا للجيش منذ عام 1989، وقد عمل على توحيد صفوف المؤسسة العسكرية وحظي بدعم سوري مباشر في ظل الهيمنة السورية الكاملة على القرار اللبناني آنذاك. حتى إن الدستور اللبناني عُدّل خصيصًا للسماح بانتخابه قبل مرور المهلة القانونية على استقالته من قيادة الجيش، في مشهد أكد أن التوازنات الإقليمية أقوى من النصوص الدستورية نفسها. في بداية عهده، ظهر لحود كرئيس قوي يحاول فرض هيبة الدولة وكنتُ شاهدًا بنفسي على ذلك من خلال عملي كمستشار للبنك الدولي لتعزيز الوقاية الصحية في وزارة الصحة العامة آنذاك، لكنه سرعان ما انقلبت عليه المنظومة لأغراض الجميع يعرفها ونعيشها الآن وخاصة الوضع الاقتصادي المُزري وتتضمن نهب أموال المواطنين. تحالفه الكامل مع دمشق جعله رأس حربة للمشروع السوري في لبنان والذي كان بدعم أمريكي سعودي ضمن معادلة (س-س). ومع دعمه الكامل للمقاومة اللبنانية في وجه الكيان الصهيوني والتمديد عام 2004 الذي فرضته سوريا رغم والتحضير لقلب المشهد اللبناني السياسي، صدر القرار 1559 عن مجلس الأمن مطالبًا بانسحاب القوات السورية ونزع سلاح الميليشيات، لكن لحود تمسك بخيار دمشق والمقاومة حتى اللحظة الأخيرة. وبعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، دخل لبنان مرحلة الانقسام الحاد بين 8 و14 آذار/ مارس، وتحول لحود إلى رمز لمحور الممانعة داخل الدولة اللبنانية. هنا ظهرت المفارقة الكبرى: قائد الجيش الذي يُفترض أن يمثل وحدة البلاد أصبح جزءًا من الاستقطاب السياسي الحاد الذي فرضته القوى الخارجية. حتى المؤسسة العسكرية نفسها تعرضت لضغوط هائلة للحفاظ على توازنها وسط الشارع المنقسِم.

أما ميشال سليمان، فقد وصل إلى الرئاسة بعد أحداث 7 أيار/ مايو 2008 واتفاق الدوحة الذي أنهى الاشتباكات الداخلية بين حزب الله وخصومه. سليمان استفاد من صورته كقائد للجيش “الوسطي” الذي حاول منع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية جديدة. في تلك المرحلة، كان الجيش يتعرض لانتقادات من الطرفين؛ البعض اتهمه بالتساهل مع حزب الله خلال أحداث بيروت، وآخرون رأوا أنه منع الانفجار الشامل. انتخاب سليمان جاء كتسوية إقليمية ودولية أكثر منه خيارًا لبنانيًا مستقلًا. فرنسا وقطر وسوريا والسعودية وافقت كلها على اسمه باعتباره مرشحًا مقبولًا من الجميع. لكن السنوات اللاحقة أظهرت أن "الرئيس التوافقي" في لبنان غالبًا ما يتحول إلى رئيس بلا أدوات حقيقية وبيد محاور خارجية. سليمان بدا قريبًا من محور 8 آذار، لكنه لاحقًا دخل في خلافات واضحة مع حزب الله، خصوصًا بعد إطلاقه "إعلان بعبدا" عام 2012 الذي دعا إلى تحييد لبنان عن صراعات المنطقة. هذا التحول السياسي كشف مرة أخرى هشاشة فكرة "الرئيس العسكري المحايد"؛ فالرجل الذي وصل بتوافقٍ مع حزب الله وسوريا، انتهى بانتقادات علنية من الحزب نفسه، خصوصًا مع تصاعد الحرب السورية ودخول الحزب العسكري إليها. وهنا ظهر كيف تفرض الرئاسة اللبنانية على قائد الجيش السابق أن يتحول إلى لاعب سياسي كامل، بكل ما تعنيه اللعبة اللبنانية من تبدلات وتحالفات وصدامات.

أما ميشال عون، فتجربته تختلف جذريًا رغم خلفيته العسكرية. عون لم يصل من قيادة الجيش مباشرة إلى الرئاسة، بل عبر مسار طويل من الحروب والمنفى والتحالفات المُتقلِّبة. في أواخر الثمانينات، خاض "حرب التحرير" ضد الوجود السوري، وقدم نفسه كرمز للسيادة اللبنانية. لكنه بعد عودته من المنفى عام 2005، عقد تفاهم "مار مخايل" مع حزب الله عام 2006، في واحدة من أكبر التحولات السياسية بتاريخ لبنان الحديث. هذا التحالف فتح له الطريق نحو الرئاسة عام 2016 بعد فراغ رئاسي دام أكثر من سنتين. المفارقة أن الرجل الذي قاتل سوريا لعقود أصبح حليفًا للمحور نفسه الذي دعم النفوذ السوري والإيراني في لبنان. خلال عهده، انهار الاقتصاد اللبناني بشكل غير مسبوق، ووقعت انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ثم انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وسط اتهامات واسعة للسلطة بالعجز والفساد والمُحاصَصة. عون رفع شعار “الإصلاح والتغيير”، لكن عهده تحوَّل في نظر خصومه وحتى جزء من جمهوره والشعب اللبناني إلى نموذج عن تزاوج السلطة مع المصالح الحزبية والعائلية، خصوصًا مع تصاعد نفوذ العائلة متمثلة في جبران باسيل داخل الدولة. وهنا سقطت مجددًا صورة “العسكري المُنقِذ”، لأن السياسة اللبنانية ابتلعت الخطاب العسكري وأعادت إنتاجه ضمن منطق الزبائنية والطائفية.

اليوم، مع انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية عام 2025 بعد سنوات من قيادة الجيش في أصعب الظروف الاقتصادية والأمنية، يعود السؤال نفسه بقوة: هل يستطيع قائد الجيش أن يبقى فوق الاصطفافات بعد دخوله القصر الجمهوري؟ أم أن النظام اللبناني بطبيعته الطائفية والمحاصصاتية يفرض عليه التحول إلى جزء من شبكة المصالح الداخلية والخارجية؟ جوزاف عون اكتسب خلال قيادته للجيش صورة القائد الهادئ القادر على التواصل مع الأمريكيين والعرب والداخل اللبناني في آنٍ واحدٍ. حصل الجيش في عهده على دعم دولي كبير، خصوصًا من الولايات المتحدة وفرنسا وقطر، في وقت كانت مؤسسات الدولة تنهار اقتصاديًا. لكن هذا الدعم نفسه فتح باب التساؤلات حول حجم التأثير الخارجي في صناعة الرئاسة اللبنانية. وهذا ما نشهده الآن من خلال سيطرة الخارج وخاصة الولايات المتحدة على القرار اللبناني وفرض مسار تفاوضي مع العدو الصهيوني خارج إطار التوافق والإجماع اللبناني؛ مما يهدد بشكل واضح الاستقرار الداخلي كما يتمناه العدو الإسرائيلي وبدعم واضح من أقلية لبنانية يسيرون في نفس الاتجاه.

الواقع أن كل قائد جيش وصل إلى الرئاسة دخل القصر بشعار حماية الدولة، لكنه اصطدم سريعًا بحقيقة أن النظام اللبناني أقوى من الأفراد؛ فالرئيس يحتاج إلى تفاهمات مع زعماء الطوائف، وغطاء خارجي، وتحالفات داخل البرلمان، ما يجبره غالبًا على تقديم تنازلات تتناقض مع صورة “القائد الحاسم” التي رُسمت له سابقًا. السياسة اللبنانية لا تخدع المبادئ العسكرية فقط، بل تعيد صياغتها بما يخدم توازنات السلطة. ففي الثكنة، القرار هرمي والانضباط إلزامي، أما في الحكم فالتسويات هي العقيدة الحقيقية. لذلك يتحول كثير من الرؤساء العسكريين من شخصيات تقدم نفسها كحامية للدولة إلى أطراف داخل اللعبة نفسها التي وعدوا بإصلاحها.

لبنان خلال العقود الماضية لم يكن يحكمه رئيس قوي بقدر ما كانت تحكمه شبكة توازنات إقليمية ودولية معقدة. ولهذا السبب، بدا وصول قادة الجيش إلى الرئاسة أحيانًا كحلٍ مؤقتٍ لأزمات النظام، لا كمدخل لبناء دولة فعلية؛ فالعسكري في لبنان قد يخلع بزته الرسمية عند دخوله السياسة، لكنه غالبًا يجد نفسه مضطرًا لارتداء بِزَّات التحالفات والمحاور والطوائف، وهي أكثر قسوة وتعقيدًا من أي معركة عسكرية. فلا عجب أن نشاهد ما حصل في العهود السابقة والعهد الحالي من تحول من مبادئ منضبطة منتظمة إلى سياسة مُتفلِّتة خاضعة للخارج ومُدمِّرة للإجماع الوطني.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z