المتغطي بالأمريكان عريان

 

 

 

هند الحمدانية

لم تعُد المنطقة تعيش توترًا يمكن احتواؤه ببيان دبلوماسي أو اجتماع طارئ؛ إذ إنَّ ما يجري اليوم أقرب إلى إعادة رسم لموازين القوة؛ حيث تتحرك الأساطيل، وتُفتح الجبهات، وتدخل دول كبرى في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة، بينما تقف دول المنطقة في حالة ترقب باهت، كأنها تدرك أن ما بعد هذه المرحلة لن يشبه ما قبلها.

التصعيد الأخير بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما رافقه من توتر في الخليج، أعاد طرح الأسئلة التي تم تأجيلها سنوات طويلة، المنطقة التي أنفقت مئات المليارات على التسليح، ووقعت عشرات الاتفاقيات الأمنية، ما زالت حتى اللحظة تعيش نفس القلق ونفس الرعب كلما اقترب شبح الحرب.

سنوات طويلة اعتمدت دول الخليج على تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية باعتباره ضمانة للأمن والاستقرار، صفقات سلاح بمئات المليارات، قواعد عسكرية، اتفاقيات دفاع، وتصريحات متكررة عن التزام واشنطن بحماية حلفائها، كان الاعتقاد السائد أن هذا الغطاء كافٍ لردع أي تهديد، وأن وجود القوة الأمريكية في المنطقة يشكل صمام أمام دائم.

وما يحدث اليوم في الخليج أن أمريكا تحركت كعادتها وفق حساباتها الخاصة، واستخدمت وجودها العسكري بالمنطقة بما يخدم حليفها الإستراتيجي (إسرائيل)، ولم يكن ذلك مُفاجئًا لمن يعرف طبيعة السياسة الدولية، لكن المُفاجئ أن كثيرين في المنطقة ما زالوا يتعاملون مع التحالف كأنه عقد حماية إلى أن تقوم الساعة، لا علاقة مصالح متغيرة، وأن أمريكا التي أوهمت المنطقة بأن أمنها مرهون بحمايتها، كانت هي التي تشعل فتيل الأزمات وتؤجج الصراعات والفوضى في المنطقة، وتدعم الاحتلال الصهيوني في جرائمه تجاه الشعوب العربية، وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للمثل الشعبي البسيط: "المتغطي بالأمريكان عريان".

والمسألة لا تتعلق بأمريكا ولا برفض العلاقات الدولية؛ فالعالم كله يقوم على المصالح، لكن التجربة القاسية علمت الشعوب أنَّ المصالح تدهس على كل الاتفاقيات والمعاهدات، وأن الدول الكبرى تتحرك وفق حساباتها أولًا، ثم تنظر بعد ذلك إلى حلفائها، وعند أول تعارض حقيقي، لا يبقى إلا ما صنعته كل دولة بيدها وبيد رجالها.

وإن عُدنا قليلًا إلى ذاكرة هذه الأُمَّة، سنتساءل منذ متى كان الأمن يُشترى كما تُشترى السلع؟ ومتى كان الرجال يدفعون المال لغيرهم ليحميهم؟ على مر العصور، لم تكن الأمم تنتظر من يقاتل عنها، بل كانت تحمل سلاحها بيدها، وتدافع عن أرضها بنفسها، وتعد القوة جزءا من كرامتها، فالعرب في تاريخهم الطويل لم يعرفوا معنى العجز الذي نعيشه اليوم، كانوا يصنعون سيوفهم، ويربون خيلهم، ويحرسون حدودهم، ويعتبرون الدفاع عن الأرض والعرض واجبا لا يقبل المساومة، لم يكن الأمر عندهم بنداً في اتفاقية، بل كان صفة أصيلة في الرجال.

فكيف وصلنا إلى زمن أصبح فيه الخوف من الخطر أكبر من الإرادة على مواجهته؟ وكيف تحول الاعتماد على النفس إلى مغامرة، والاعتماد على العدو قاعدة؟ الحماية الحقيقية لم تكن يوما هدية من الغرب ولا عقدًا يوقع؛ بل كانت ثمرة إعداد طويل، وإرادة صلبة، وشعور بأن الدفاع عن الأوطان مسؤولية أهلها قبل أن تكون مسؤولية الحلفاء، ولكن حين تفقد الأمم هذا الشعور، تبدأ في البحث عن الأمان خارج حدودها، وربما في حضن أعدائها.

المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن تجارب كثيرة في المنطقة، رغم قسوة الظروف، أثبتت أن إرادة الشعوب حين تقترن بالعمل تستطيع أن تصنع وسائل لحمايتهم؛ ففي غزة وتحت الحصار الطويل، استطاع الناس أن يطوروا وسائل للدفاع عن أنفسهم بما توفر لديهم من إمكانات محدودة جدًا. وفي اليمن، رغم الحرب والفقر والانقسام، ظهرت محاولات لبناء قدرة هجومية ودفاعية محلية لم تكن موجودة من قبل، هذه النماذج تكشف حقيقة واحدة: أن الاعتماد على الخارج ليس قدرًا محتومًا، وأن من يملك الإرادة يستطيع أن يخطو خطوة في اتجاه الاستقلال مهما كانت الظروف صعبة.

ولا يقتصر هذا الصراع على الخليج وحده؛ بل يمتد إلى العالم العربي كله، ففلسطين ما زالت جرحًا مفتوحًا ينهشه الخونة والمُتصَهيْنين، والسودان ذلك البلد الذي كان يُسمى يومًا سلة غذاء العرب، تحوّل إلى ساحة نزيف مفتوح، تتنازعه الصراعات المسلحة، وترهقه المؤامرات الخبيثة، وتدفع ثمنه مدن مكلومة؛ فالخرطوم التي كانت تضج بالحياة، صارت عنوانا للانقسام، كما صارت عواصم عربية أخرى مرآة لانكسارات متتابعة، من دمشق إلى صنعاء، ومن طرابلس إلى بيروت، تتشابه الجراح وإن اختلفت التفاصيل، ويكاد المشهد يختصر في معادلة واحدة: أن هناك واقعًا عربيًا مريرًا لم ينجح بعد في بناء منظومة تكامل حقيقية ترفع كلف الهيمنة وتمنحه حق تقرير المصير.

العالم لم يعد يعرف الاستعمار بصورته القديمة التي كانت تقوم على الجيوش ورفع الأعلام، لكنه ما يزال يعرف أشكالا أخرى من الهيمنة، تقوم على الاقتصاد والتقنية، والحماية المشروطة، والتحالفات غير المتكافئة، واحتكار المعرفة، والقواعد العسكرية المزروعة في الأوطان، في هذا النوع من الاستعمار، لا تفرض القرارات بالقوة، بل تتشكل تدريجيا حتى تجد الدول نفسها تتحرك داخل حدود رسمها غيرها.

وفي هذا السياق يظل التذكير القرآني حاضرا بمعناه العميق: "وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" (البقرة: 120)، هذه الآية هي تنبيه إلى أن السعي وراء الرضا الكامل لأمريكا- الداعم الإستراتيجي لإسرائيل- وهم لا ولن يتحقق، وأن العالم يحترم من يحافظ على هويته ويملك قوته، لا من يراهن على القبول الدائم، وأن التعاون مع الغرب ممكن وضروري، لكن الفرق كبير بين شراكة متكافئة وبين اعتماد يجعل القرار مرهونا بغير أصحابه.

ولهذا فإنَّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على دول الخليج، وعلى العالم العربي كله، ليس سؤالا عن هذه الحرب فقط، ولا عن هذه الأزمة وحدها، بل عن الطريق الذي سلكناه كعرب منذ وقت طويل: إلى متى يبقى الأمن معتمدا على دول الاستعمار؟ وإلى متى تظل الثروات العربية مطمعا لهم؟ وإلى متى نملك المال ولا نملك الصناعة؟ وإلى متى نشتري السلاح ولا نصنعه؟ وإلى متى نبقى جزءا من معادلات يضعها غيرنا؟

انفرط العقد يا عرب.. هكذا تبدو أيامنا هذه، كأنَّ الخيط الذي كان يجمع هذا الاستقرار الهش بدأ يتفكك حبةً بعد حبةٍ، وكأنَّ الأحداث تتسارع على نحو لا يترك لأحد وقتًا كافيًا ليفهم ما يجري، فضلًا عن أن يستعد له، انظروا حولكم، الخرائط تتحرك، والتحالفات يُعاد رسمها، ومشاريع التوسع لا تتوقف، والغرب يُعيد ترتيب أولوياته، وإسرائيل تمضي في تثبيت وجودها وقوتها، وأمريكا كشفت عن وجهها الآثم، والمنطقة كلها تدخل مرحلة لا تشبه ما قبلها.

انفرط العقد يا عرب.. والزمن لا ينتظر من يتردد، فإمَّا أن نفيق لنصنع أمننا ونصرنا بأيدينا، وإما أن نُسلِّم راية العرب للغرب، ونُسلِّم لليهود الأرض.

الأكثر قراءة

z