إياكم والفتنة يا عرب

 

 

هند الحمداني

في كل مرحلة يشتد فيها الاضطراب، وتكثر فيها الأصوات، وتختلط فيها المواقف بالانفعالات، تبرز حقيقة قديمة لا تتبدل مهما تغيَّر الزمن ومهما تطورت سبل الحياة: "أن أخطر ما يهدد الأمم ليس العدو الذي يقف على حدودها، بل الشقاق الذي يتسلل إلى داخلها"، فالفتنة تبدأ من الكلمة المشحونة أو النظرة المتوجسة أو الشعور الخفي بأن ما يجمع العرب والمسلمين لم يعد كافيًا ليبقوا معًا.

وحين تدخل الفتنة إلى النفوس، يصبح الاختلاف خلافًا، ويصبح الخلاف خصومة، ثم لا تلبث الخصومة أن تتحول إلى صراع يستهلك من قوة الأمة أكثر مما يستهلكه أي خطر خارجي يتربص بها، ولهذا جاء التحذير الإلهي حاسمًا: "والفتنة أشد من القتل"، لأن القتل يذهب بالأجساد، أما الفتنة فتذهب بالعقول والقلوب، وتترك الأمة قائمة في ظاهرها، لكنها منهكة في باطنها، فاقدة قدرتها على أن ترى طريقها بوضوح.

وما نعيشه اليوم في الخليج العربي وفي محيطه الإسلامي الأوسع يضعنا أمام اختبارٍ حاسم، اختبار لا يُقاس بما يجري في ميادين السياسة وحدها، بل بما يجري في داخل النفوس، وبقدرتنا على أن نحفظ تماسكنا ونحن نختلف، وأن نحفظ إنسانيتنا ونحن نغضب، وأن نبقى أمة واحدة رغم كل من يحاول أن يجعلنا جماعاتٍ متفرقة، ففي زمن الأزمات الكبرى يبقى التحدي الأكبر في أن نبقى متماسكين، وألا نسمح للفتنة أن تسرق منا ما لم يستطع الاستعمار أو الحروب المفتعلة سلبه.

ولعل أخطر ما يميز أزمنة الأزمات في عصرنا أن الفتنة لم تعد تنشأ في الشوارع وحدها، بل أصبحت تُصاغ في العقول قبل أن تظهر في الواقع، في زمنٍ تحول فيه كل فرد إلى منبر إعلامي ينقل ويعلّق ويؤثر، واختلطت فيه الكلمة الصادقة بالكلمة المسمومة، حتى غدا التمييز بين الرأي الحر والرأي الموجَّه أمرًا بالغ الصعوبة، والتاريخ يعلمنا أن هذه الظاهرة ليست جديدة في أصلها، فقد شهد المجتمع الأول في زمن النبوة مواقف كادت تنزلق إلى صراع بين المهاجرين والأنصار، ومع ذلك لم تُعالَج بإحياء العصبيات ولا بإشعال الجدل، بل أُطفئت الفتنة في مهدها حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "دعوها إنها منتنة"، لأن الفتنة في جوهرها تقوم على انفعال وتعصب يستدعي ما تراكم في النفوس من حساسية وسوء ظن وخوف وشكوك، حتى يتهيأ لصاحب الفتنة أنه يدافع عن الحق، وهو في الحقيقة يدافع عن مشاعر جريحة ومخاوف لا عن مبادئ راسخة وثابتة.

وفي زمننا هذا، حيث تتداخل السياسة بالإعلام، وتُدار اتجاهات الرأي العام بوسائل التواصل الاجتماعي وأدواتٍ عديدة للتأثير على الجماهير، يصبح إشعال الخلاف أيسر من إطفائه، ويصبح الانجرار وراء الفتنة أسهل من التمسك بالحكمة، ولا يبقى للمجتمعات والشعوب العربية من حصنٍ يحميها إلا الوعي واليقظة، وهما السلاحان الوحيدان اللذان يحفظان المجتمعات من أن تُساق إلى صراعاتٍ لا تخدمها، ولا تزيدها إلا ضعفًا وتشتتًا.

وإذا أسقطنا هذا الأمر على واقعنا اليوم، أدركنا أن كثيرًا مما نراه من احتقان بين أبناء الوطن العربي أو الخليج العربي أو الدين الواحد ليس إلا نتيجة خطابٍ متراكم يُستدعى فيه الماضي كلما اشتدت الأزمات، وتُفتح فيه دفاتر الخلاف والطائفية كلما احتاجت الفتنة إلى وقودٍ جديد تتغذى عليه.

ومن أصدق ما قيل في وصف حال الأمم حين تنشغل بصراعاتها الداخلية ما نُسب إلى الكاتبة إليزابيث آن وارن حين قالت: "إذا لم يكن لك مقعد على الطاولة، فهذا يعني أنك على قائمة الطعام"، وهي عبارة تختصر ببلاغة قاسية ما يحدث حين تفقد الشعوب قدرتها على التماسك، فتتحول من فاعلٍ في الأحداث إلى موضوعٍ لها، فالأمة التي تنشغل بخلافاتها الواهية أكثر مما تنشغل بمصيرها، وتستدعي أسباب الفرقة أكثر مما تستدعي أسباب الوحدة، تتخلى عن موقعها في صناعة المصير والقرار، وتجد نفسها ساحة تتقاطع عليها مصالح الآخرين والأعداء.

وإذا نظرنا إلى واقعنا العربي، وجدنا أن الخطر لا يكمن في قلة الإمكانات، فهذه الأرض من أغنى بقاع العالم ثروةً وموقعًا جغرافيًا، ولكن الخطر يكمن في أن الثروة بلا وحدة تصبح موضع طمع، وأن الموقع بلا تماسك يصبح موضع صراع، وأن الأمة التي لا تملك قرارها الكامل، ولا تتفق على أولوياتها الأصيلة، يسهل أن تتحول إلى ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى، لأنها فقدت قدرتها على أن تكون جسدًا واحدًا، فأصبحت عرضة لأن يقرر عدوها مصيرها ويرسم لها المسارات والأولويات وهي غارقة في خلافاتها التعصبية التي لا أساس لها.

وفي خضم ما تثيره الأزمات من فتنة وضبابية، برز موقف معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية العماني، نموذجًا للشجاعة والعروبة الحقة، التي تعيد الاعتبار للحكمة في زمن الفتن، إذ أعاد توجيه الخطاب بشفافية نحو الحل، وكشف بوضوح أن مسار التصعيد لم يكن لغياب البدائل، بل لسوء نوايا العدو، وبهذا الموقف المشرف أسهم في كبح الانزلاق إلى فتنة أوسع، مذكرًا أن الشجاعة الحقيقية تكمن في احتواء الخلاف، وحفظ تماسك الصف في لحظاتٍ تختبر وعي الأمة قبل قوتها.

والأخطر من ذلك كله أن الفتنة لا تكتفي بتفريق الصف، بل تُشغل الأمة عن قضاياها الكبرى، وتُبعدها عن جوهرها الحقيقي، وتجعلها تستهلك طاقتها في نزاعات داخلية بينما تبقى الجراح الكبرى مفتوحة، وفي مقدمة تلك القضايا قضية فلسطين، التي كانت دائمًا وأبدًا معيارًا حيًا لوحدة الضمير، بما تمثله من معنى للحق والكرامة، وما يرتبط بها من قدسية المسجد الأقصى الشريف، الذي ظل شاهدًا على وحدة القضية وعمقها في وجدان الأمة.

إن الأمة التي تريد أن تحفظ كرامتها لا تحتاج أن تتفق في كل شيء، لكنها تحتاج ألا تسمح للخلاف أن يتحول إلى قطيعة أو عداوة أو فتنة، وتحتاج إلى قدرٍ من الحكمة يذكرها بأن ما يجمعها أكبر مما يفرقها، وأن قوتها في تماسكها، وأن أخطر ما يمكن أن تخسره ليس معركةً هنا أو موقفًا هناك، بل أن تخسر نفسها المتمثلة في وحدتها.

ختامًا.. ومع هذا الغيث الذي انهمر على أرض الخليج في هذه الأيام، وكأن السماء في صمتها الرحيم تحاول أن تعلمنا ما عجزنا عن تعلمه في ضجيج الخلاف، يهبط المطر فلا يسأل الأرض عن مذاهبها ولا عن حدودها، بل يلامسها جميعًا بالقدر نفسه من الرحمة، ليذكرنا بأن ما يجمعنا أعمق من كل ما يفرقنا، ولنرجو الله أن يمتد أثره إلى ما هو أبعد من التراب، وأن يغسل القلوب مما علق بها من شوائب الفتنة، وأن يهدئ ما اضطرب بها من ظنون، وأن يعيد إليها بساطتها الأولى التي كانت ترى في الآخر أخًا قبل أن تراه خصمًا ومنافسًا، ولعل هذا الغيث، وهو يعم أرض الخليج العربي، يكون إيذانًا بغيثٍ آخر في الداخل، يعيد ترتيب ما اختل، ويقرب ما تباعد، حتى تعود هذه الأمة جسدًا واحدًا، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأمة بالعون والرحمة وخالص الدعاء.

الأكثر قراءة

z