د. عبدالله الأشعل **
أشرنا في مقال سابق إلى أنَّ أمريكا هدفها الأساسي حماية إسرائيل، وليست هناك مصلحة أمريكية خاصة؛ ولذلك فإنَّ أمريكا تعتبر إيران مُهدِّدًا وجوديًا لإسرائيل، ولذلك توقعنا أن الحشود الأمريكية الكبيرة حول إيران مُجهّزة للقضاء على إيران، وبالفعل بدأت أمريكا وإسرائيل بالتنسيق بينهما العدوان على إيران.
ويبدو أن إسرائيل عن طريق الموساد كانت قد اخترقت إيران ودوائرها الأمنية والسياسية، ولذلك في الساعات الأولى للعدوان اغتالت إسرائيل المرشد الأعلى، ولا تزال إيران تشكل القيادة الجديدة بعد استشهاد المرشد الأعلى.
مهمة هذا المقال هي تحديد أيهما: أمريكا وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى، ينسجم مع أحكام القانون الدولي؟
نشير في هذا الصدد إلى أن حشد الولايات المتحدة لقواتها حول إيران بهذه الضخامة، يظهر مع التصريحات الأمريكية أن أمريكا انتهكت مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، خاصة المادة اثنين الفقرة أربعة، التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها بما يخل بالاستقلال السياسي أو التكامل الإقليمي للدولة.
أما رد الفعل الإيراني في كل صوره، فإنِّه دفاع شرعي عن النفس وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، على التفصيل الآتي:
أولًا: مهاجمة إيران للقواعد الأمريكية في الخليج ناتج عن الأسباب الآتية:
1- أن عدوان إيران أو رد إيران على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في القواعد الأمريكية في الخليج، لأن الخليج بصفة عامة لم يقرر هذه القواعد، ولذلك فإنَّ خضوع الخليج لأمريكا وإسرائيل هو السبب الأساسي في استخدام القواعد الأمريكية لمهاجمة إيران.
2- تواترت تقارير شبه مؤكدة بأن دول الخليج الخمسة التي هاجمتها إيران كانت تمول في الواقع الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
2- إنني راجعت كل اتفاقيات القواعد في الخليج، ووجدت أن الدولة المضيفة للقواعد لا تملك هذه القواعد، وإنما تنفق عليها طلبًا للرضا الأمريكي، ولا تؤجرها مقابل خدماتها، على أساس أن هذه القواعد أوهمتها أمريكا بأنها مُخصّصة لحمايتها من أذى إيران.
تمامًا كما أن أمريكا كانت تصور الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على أنه خطر على العالم كله، ومع ذلك فإن القضاء على العراق وصدام حسين كان خطأ استراتيجيًا كبيرًا لم تدركه الولايات المتحدة إلا بعد فوات الأوان.
4- أن القواعد الأمريكية مفهوم من الطرفين أنها أراضٍ أمريكية، ولذلك فإن الرد الإيراني وقع على أراضٍ أمريكية وليست أراضٍ خليجية. ولذلك فإن إيران لم تعتدِ على دول الخليج كما قالت البيانات الرسمية لوزارات الخارجية لخمس دول التي هاجمتها إيران.
وإذا كانت هذه الدول قد أكدت لإيران أنها لن تسمح باستخدام القواعد في أراضيها لمهاجمة إيران، فهو قولٌ تنقصه الدقة؛ لأن هذه الدول وفقًا لاتفاقيات القواعد لا تملك السماح أو عدم السماح للقوات الأمريكية، والتاريخ غني بالأمثلة على ذلك.
5- إذا كانت أمريكا وإسرائيل والغرب الصليبي قد أصدروا بيانات تدين الرد الإيراني، فإن ذلك هدفه الوقيعة بين إيران وهذه الدول.
وعلى كل حال، فإن الرد الإيراني اقتصر على القواعد الأمريكية وحدها، ولم يمتد ليشمل إقليم الدولة المضيفة. أما مهاجمة السفارات؛ فهذا من عمل الموساد والمخابرات الأمريكية.
6- أن بعض المعلقين يلومون إيران على أساس أن ضرب القواعد الأمريكية في دول الخليج كان اعتداءً على أراضي هذه الدول، ولم يكن الظرف مناسبًا لفتح جبهات أخرى على إيران. لكن الحقيقة أن هؤلاء المعلقين إما يجهلون العلاقة بين أمريكا والدول المضيفة، وإما مغرضون.
7- المفروض أن الحرب على إيران حرب صليبية، بدليل أن فرنسا انضمت لها، وواجب الدول الإسلامية أن تساند إيران ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي. لأن إيران إذا سقطت بفعل هذا العدوان، فإن إسرائيل سوف تتسيّد المنطقة وسوف تدفن العروبة كلية، ولذلك يجب على الحكام العرب والمسلمين أن ينتبهوا وأن يقربوا المسافة بين مصالح كرسي الحكم ومصالح الوطن، لأن أمريكا هي التي خلقت في معظم الدول العربية هذه المسافة. ثم إن العروبة والإسلام بخيرٍ، حتى لو تنصل منها أبناؤها، لأن العروبة هوية، والصهيونية عدو للجنس البشري، وإذا سقطت إيران لا قدر الله فسوف يُعلن الشرق الأوسط الجديد، وسوف يتم تأديب الدول البارزة في المنطقة وفقًا لتصريحات السفير الأمريكي في تل أبيب، وهي تركيا ثم مصر ثم السعودية، وهي التي تقف ضد مشروع إسرائيل الكبرى.
وأعتقد أن الصراع العسكري بين إيران من ناحية، وأمريكا وإسرائيل من ناحية أخرى، سوف يشعل الشرق الأوسط، وسوف تنتقم الدول العربية من إسرائيل دون أن تساند إيران بالضرورة، لأن هناك ثأرًا مبيتًا بين الشعوب العربية وإسرائيل، خاصة مصر وبشكل أخص بعد اكتشاف وثيقة سرية عند إسرائيل بتهجير أهالي غزة إلى سيناء، والتوتر الحادث بين مصر وإسرائيل، والشكوى الدائمة الإسرائيلية لأمريكا من الجيش المصري.
ولذلك أعتقد جازمًا أنه لن يحرر المنطقة من إسرائيل سوى مصر وتركيا والسعودية، وهي الدول المستهدفة من جانب أمريكا وإسرائيل.
ثانيًا: استخدام القوة الأمريكية والإسرائيلية في العدوان على إيران والمسائل المرتبطة بهذا العدوان، ومن بينها حرمان إيران من الاستفادة السلمية من الطاقة النووية، بينما إسرائيل تنفرد بالسلاح النووي.
ولذلك فإن إيران هددت إسرائيل بأنه إذا استمر العدوان انتهاكًا للقانون الدولي، فإنها سوف تضرب مفاعل ديمونة وآثاره المدمرة على المنطقة.
ثالثًا: أظن أن إيران من حقها حيازة السلاح النووي الذي تريد إسرائيل وأمريكا حرمانها منه، ولذلك صرح وزير خارجية إيران بأن إيران لها كامل الحق بحيازة الأسلحة اللازمة للدفاع عن نفسها، وهذه إشارة بحق إيران في الطاقة النووية السلمية وحق إيران بحيازة السلاح النووي.
رابعًا: أن العدوان على إيران أحد أهدافه حماية إسرائيل من المقاومة بحيث تتوحش إسرائيل في المنطقة بدعم أمريكي، وفي ذلك أكبر مخالفة للقانون الدولي لأنها تشجعه على العدوان والتوسع وإهدار حق الدول في تقرير مصيرها والدفاع عن نفسها ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي.
وبهذه المناسبة، يردد بعض الإعلام العربي أن المقاومة إرهاب، وأن حزب الله إرهابي، والذين يطلقون على المقاومة إنها إرهاب يتجاهلون الفرق بين الإرهاب والمقاومة؛ فالإرهاب كما قلنا في مقالة سابقة غير معرف في القانون الدولي، ولكنه مذموم قانونيًا وسياسيًا، وأن المقاومة لها كل الحق في استخدام الأسلحة التي تناسبها، بما في ذلك أخذ الرهائن استثناءً من هذا الحظر الوارد في اتفاقية نيويورك عام 1979، خاصة المادة 12.
وأخيرًا.. فإن هذه المقالة أثبتت أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران مخالف لكل قواعد القانون الدولي، وخاصة ميثاق الأمم المتحدة، وأن الرد الإيراني مشروع في القانون الدولي، خاصة وأن القواعد الأمريكية حسب اتفاقيات القواعد تعد جزءًا من الأراضي الأمريكية وليست جزءًا من أقاليم الدول المضيفة، ولذلك ليس صحيحًا أن إيران اعتدت على هذه الدول، وإنما اعتدت أو ردت العدوان على الأراضي الأمريكية المتمثلة في القواعد الأمريكية في الخليج.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
