بدر بن علي بن سعيد الهادي
في زمن الاستقطاب الحاد الذي تعيشه منطقتنا، أصبح كثير من الناس يظن أن عليه أن يختار معسكرا واحدًا، إما أن يقف مع إيران ضد العرب أو مع العرب ضد إيران.
وكأنَّ الحقيقة لا تحتمل إلا طرفا واحدا، لكن حين ننظر بوعي أعمق إلى واقع المنطقة ندرك أن الصورة أكثر تعقيدا وأن الإنصاف يقتضي أن نقول بوضوح.. قد يكون في كل طرف حق، كما قد يكون في كل طرف خطأ.
في عُمان.. معيارنا الأول ليس الاصطفاف في محاور الصراع؛ بل مصلحة بلدنا واستقراره ووحدته، هذا النهج ليس موقفًا عابرًا؛ بل سياسة راسخة اختارتها عُمان منذ زمن طويل تقوم على الحكمة والتوازن وعدم الانجرار إلى صراعات تستنزف الدول وتفتت المجتمعات.
ولهذا بقيت علاقات عُمان مع مختلف الدول ومنها إيران تدار وفق مصالح الدولة واستقرار المنطقة لا وفق الانفعالات أو الاصطفافات المذهبية.
الولاء الحقيقي للعُماني هو لوطنه أولا، لعُمان أرضا وقيادة ونهجا، هذا النهج الذي حافظ على الاستقرار وجعل البلاد بعيدة عن الفتن التي عصفت بكثير من دول المنطقة.
قد تختلف الآراء السياسية وهذا أمر طبيعي في كل مجتمع حي، لكن الجادة التي يجتمع عليها العُمانيون تبقى واحدة تقديم مصلحة الوطن ووحدته على كل ما سواهما.
وفي الوقت نفسه نحن في عُمان حكومة وشعبا، ننطلق من أصل واضح لا خلاف عليه.. أن الأمة الإسلامية واحدة في أصلها، وأن المسلم أخو المسلم مهما اختلف مذهبه أو بلده أو توجهه.
الخلافات المذهبية كانت موجودة عبر التاريخ لكنها لم تكن سبباً لإخراج الناس من دائرة الإسلام ولا مبرراً لتحويل الاختلاف إلى عداوة بين الشعوب.
ولهذا لا يرى العُماني نفسه طرفاً في صراع مذهبي بين المسلمين، لا نؤمن بتحويل الخلافات السياسية إلى قطيعة مع شعوب مسلمة مثلنا ولا نرى فائدة في إشعال الخصومات بين أبناء الأمة الواحدة، فالتاريخ علمنا أنَّ أكثر ما أضعف الأمة لم يكن قوة خصومها؛ بل انقسام أبنائها.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم فكرة أن إيران على حق… والعرب على حق؛ فإيران مثلها مثل أي دولة، لها مصالحها ورؤيتها السياسية وكثير من أنصارها يرون أنها تقف في مواجهة سياسات الهيمنة الغربية وتدعم قضايا في المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وفي المقابل لدى الدول العربية أيضا هواجسها ومصالحها ومخاوفها المشروعة المتعلقة بأمنها واستقرارها وسيادتها.
النظر بعين واحدة يجعلنا نرى نصف الحقيقة فقط، أما النظر بعينين فيجعلنا ندرك أن الصراعات السياسية ليست دائما صراعا بين خير مطلق وشر مطلق، بل هي في كثير من الأحيان تعبير عن توازنات ومصالح معقدة.
وإذا نظرنا إلى العقود الأخيرة سنجد حقيقة لا يمكن تجاهلها، أن الولايات المتحدة تدخلت عسكريا في مناطق عديدة من العالم، وأشعلت حروبا وصراعات خارج حدودها، وهذه الحروب كلفت اموالا هائلة من دافعي الضرائب الأمريكيين، وتركت وراءها دولا مدمرة وشعوبا دفعت ثمنا باهظا من أمنها واستقرارها وتنميتها.
كثيرون يرون أن هذه السياسات لم تكن دائما لمصلحة الشعب الأمريكي نفسه، بل ارتبطت احيانا بمصالح استراتيجية أو تحالفات دولية، وعلى رأسها الدعم المستمر لإسرائيل، وهو ما أبقى قضية فلسطين مفتوحة منذ عقود، وما زال يشكل جرحا عميقا في وجدان المسلمين والعرب.
لهذا فإن ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيدا من الاستقطاب؛ بل قدر أكبر من الحكمة، وهنا لا نحتاج إلى تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مذهبية ولا إلى دفع الشعوب المسلمة إلى مواجهة بعضها بعضا، بينما يستفيد من ذلك من يملك القوة والنفوذ.
الأصل أن تبقى الأمة قوية بوحدتها وأن تدرك شعوبها أن خلاف الحكومات لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة بين الناس. كما أن من حق كل دولة أن تحمي مصالحها وسيادتها، لكن دون أن يتحول ذلك إلى وقود لصراع دائم داخل الأمة نفسها.
عُمان بتاريخها ونهجها القويم تقدم نموذجا مختلفا في هذه المنطقة المضطربة.
بلد يحاول أن يجمع ولا يفرق وأن يبقي أبواب الحوار مفتوحة وأن يبتعد عن صخب الصراعات ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
وفي النهاية يبقى الأمل أن يأتي يوم تدرك فيه شعوب المنطقة أن قوتها الحقيقية ليست في الاصطفاف ضد بعضها، بل في قدرتها على تجاوز الخلافات وبناء مستقبل أكثر عدلا واستقرارا.
نسأل الله أن ينصر كل مظلوم من المسلمين وأن يحفظ بلاد المسلمين من الظلم والهيمنة الإمبريالية وأن يجمع كلمتهم على الحق وأن يرد عنهم كيد المعتدين أيًّا كانوا وأن يجعل الغلبة لأهل العدل والحق، وأن تبقى عُمان وطناً يجمع ولا يفرق ويعلم المنطقة أن الحكمة قد تكون أحيانا أقوى من الضجيج.
