عباس الزدجالي
عندما بعث حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- برقية تهنئة إلى المرشد الجديد في إيران، مجتبى خامنئي، لم يكن ذلك حدثًا استثنائيًا في سياق السياسة الخارجية العُمانية، بل خُطوة يمكن فهمها بسهولة إذا قرأناها ضمن النهج الذي دأبت عليه سلطنة عُمان في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية.
الدبلوماسية العُمانية لم تُبنَ تاريخيًا على منطق المحاور أو الخصومات، بل على فكرة إبقاء الأبواب مفتوحة مع الجميع. هذه ليست مجرد عبارة دبلوماسية تُقال في البيانات الرسمية، بل خيار استراتيجي صاغته الجغرافيا والتاريخ معًا.
تقع عُمان في قلب منطقة تعج بالتوترات والتحالفات المتغيرة، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية. وفي مثل هذه البيئة يصبح التواصل مع مختلف الأطراف ضرورة لحماية الاستقرار، لا ترفًا سياسيًا يمكن الاستغناء عنه.
ومن هنا يمكن فهم تهنئة القيادة الجديدة في إيران بوصفها خطوة طبيعية تعكس احترام الأعراف الدبلوماسية بين الدول. فالتهاني عند انتقال السلطة أو اختيار قيادات جديدة تُعد من أبجديات البروتوكول السياسي في العلاقات الدولية، وهي لا تعني بالضرورة توافقًا في السياسات أو اصطفافًا في المواقف، بقدر ما تعني الاعتراف بالواقع السياسي القائم في دولة أخرى.
لكن المسألة في الحالة العُمانية تتجاوز الجانب البروتوكولي إلى حسابات أكثر عمقًا. فإيران، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والعسكري، تبقى لاعبًا رئيسيًا في معادلات الخليج والشرق الأوسط.
وأي دولة تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار في هذه المنطقة لا يمكنها تجاهل هذا الواقع أو التعامل معه بمنطق القطيعة الدائمة، لأنَّ القطيعة في مثل هذه البيئات المتوترة غالبًا ما تزيد الأزمات تعقيدًا بدل أن تحلها. كما أن الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف منح مسقط عبر العقود قدرة خاصة على لعب أدوار الوساطة عندما تُغلق قنوات الحوار بين الآخرين. فالثقة التي بنتها عُمان مع أطراف متباينة لم تأتِ صدفة، بل نتيجة سياسة ثابتة تقوم على الحوار والاحترام المتبادل وتجنب الاصطفافات الحادة.
بهذا المعنى يمكن قراءة التهنئة العُمانية للقيادة الإيرانية الجديدة كجزء من مقاربة أوسع تسعى إلى تثبيت قنوات التواصل مع دولة جارة مؤثرة في الإقليم، والحفاظ على مساحة من التفاهم السياسي قد تكون ضرورية في لحظات التوتر. فالدبلوماسية العُمانية تدرك أن الحوار- حتى في أصعب الظروف- يبقى أقل كلفة من القطيعة، وأن إبقاء الجسور قائمة قد يكون أحيانًا العامل الوحيد القادر على فتح باب للحلول.
وفي عالم يميل أكثر فأكثر إلى الاستقطاب الحاد، تبدو السياسة العُمانية مختلفة عن كثير من السياسات الإقليمية. لكنها في جوهرها ليست سياسة مثالية بقدر ما هي واقعية هادئة تقوم على مبدأ بسيط: الاستقرار في منطقة مضطربة لا يتحقق بالانحياز إلى طرف ضد آخر، بل بالقدرة على التحدث مع الجميع.
ولهذا فإنَّ قراءة تهنئة مسقط للقيادة الإيرانية الجديدة بعيدًا عن هذا السياق قد تقود إلى استنتاجات متسرعة. فالدبلوماسية العُمانية، كما أثبتت التجربة عبر عقود، لا تبني علاقاتها على ردود الفعل أو الضغوط اللحظية، بل على موازنة دقيقة بين المصالح الوطنية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.
وفي منطقة تتلاحق فيها الأزمات وتتصاعد فيها لغة الصدام، قد يكون الحفاظ على الجسور- حتى مع المختلفين- واحدًا من أكثر أشكال الحكمة السياسية واقعية.
