صبري الموجي
تنتابُني هذه الأيام حالةٌ من الإحباط، وفقدان الثقة بما أمارسه من دور إعلامي وتنويري عن طريق الكلمة المكتوبة أو المذاعة عبر أيِّ منبرٍ دعوي أو إعلامي، بعدما ألفيتُ تفاعلَ الناس معها محدودا ومؤقتا، إذ سرعان ما يزول أثرها.
فكم من مقالٍ كتبتُ، أشيرُ فيه إلى موطن الداء، وكم من خطبة رنانة ألقيتُ، ألفتُ فيها إلى المشكلة، وأقدّم الحلَّ، ورغما عن هذا، فإنّ سلوكيات الناس، تنحدر من سيئ إلى أسوأ، وآذانهم مع ما يُقال إحداها من طين، والأخرى من عجين، وهو ما يدعو إلى الإحباط، الذي يجعلني أعضُّ أناملي من الغيظ!
قديما قيل: «العبدُ يُقرَعُ بالعصا، والحرُّ تكفيه الإشارة»، وهو ما يؤكد أنَّ الناس يتفاوتون في الاستجابة للتوجيه والإرشاد، فمنهم من يكفيه التلميحُ دون التصريح، وآخرون لا يُحرِّك لهم التصريحُ، أو حتى لطم الخدود، أقصد خدودي طبعًا، ساكنًا.. ولله الأمر من قبل ومن بعد!
وما دامت الحال كذلك، فإنني ألفتُ إلى ما صرَّح به الشرع: (من لم يزعه القرآن، يزعه السلطان)، بمعنى أنَّه من لم تؤثّر فيه الكلمة الطيبة، فلا بُد معه من الشدّة؛ حتى يرعوي. أمَّا الربت على الأكتاف، ودغدغة المشاعر بكلمات معسولة مع أناس، طمس الله على قلوبهم وأبصارهم، فهذا تضييعٌ للوقت، وتجذيرٌ لفساد الفاسد، وتماديه في الغيّ والضلال.
وحتى لا يعترض معترِض، الشدةُ أمرٌ مرفوض على الدوام، لكنها وسيلة لابد منها مع من لا يصلح معهم غيرُها، وإلا اختلط الحابل بالنابل، وعمَّ الفساد، وانتشرت الفوضى.
فمطالعةُ التاريخ تُثبِت أنَّه كم كان للشدة من أثر في ترسيخ دعائم حكم العديد من الحكام والملوك، فما نشرَ الإسلامَ في ربوع الأرض إلا سيفُ خالد بن الوليد، وما ألزمَ المسلمين طريقَ الجادة إلا شدةُ عمر بن الخطاب، وما رسّخ دعائم حكم بني أمية إلا بطشُ الحجاج، وما عضّد مُلك العباسيين إلا قسوةُ أبي جعفر المنصور، وما اجتث شأفة الجريمة، ومنع السرقة إلا تنكيلُ زياد بن أبيه بمن يقع تحت طائلة القانون.
ربما يضيق بعضُ الناس ذرعا مما ذكرت، لكنها الحقيقة، بعيدا عن التزييف المقيت، فكما أنَّ الثواب أسلوبُ تقييم، فكذلك العقاب، وإن رفض الرافضون، و"لتَّ وعَجَنَ" التربويون، والدليل على صحة قولي أنَّ الله جعل الجنة لإثابة الطائع، وجعل نارا تلظّى لعقاب العاصي.
الدافع من هذا المقال، ما رأيته وأراه من إصرار البعض على الخطأ، دون التفات لنصح أو توجيه، وهو ما يجعلني، أتمنى كثيرا أن تكون لي بهؤلاء قوة، فآخذ على أيديهم، أو آوي إلى ركن ركين يقتصُّ لي وللمجتمع من هؤلاء المفسدين!
